عادل علي جودة
على هذا النحو من البهاء والفخار يمتد الاحتفاء بيوم التأسيس في المملكة العربية السعودية منذ انطلاقته بتاريخ 22 فبراير 2022م بموجب الأمر الملكي الكريم ذي الرقم (أ/ 371)، ليشكل مناسبةً وطنيةً شاملة، يتحسس فيها السعوديون معالم ذكرى خلود التكوين عبر ثلاثة قرون مضت ابتداء من عام 1727م حيث شيد الإمام محمد بن سعود الدولة السعودية الأولى وعاصمتها «الدرعية» ليدشن بذلك فصلًا جديدًا من التاريخ، قوامه الوحدة والاستقرار وبناء الإنسان.
ورغم أن الدولة السعودية الأولى انتهت كمرحلة زمنية عام 1818م، إلا أن الفكرة لم تنته، بل بقيت روحًا تنبض في وجدان الأبناء والأحفاد، فلم تمض السنوات الست حتى عادت الصقور إلى أجوائها عام 1824م على يد الإمام تركي بن عبدالله بن محمد بن سعود الذي شيد بناء الدولة السعودية الثانية لتكون أعمق تأثيرًا وأشمل اتساعًا، واتخذ الرياض عاصمة لها، وقد تحقق لها المزيد من معالم الاستقرار برغم ما واجهته من تحديات وصعاب ونزاعات داخلية أدت إلى نهايتها عام 1891م.
إلا أن الإرث السياسي والوطني ظل راسخًا في أذهان أبنائها الأوفياء حتى بزغ نور الدولة السعودية الثالثة عام 1902 على يد الملك عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود الذي فور استعادته لمدينة الرياض، باشر المضي نحو توحيد البلاد بقعة بقعة حتى تم له ذلك عام 1932م، وبذلك تم الإعلان عن تأسيس المملكة العربية السعودية ليكون شعارها التوحيد، ورسالتها نشر الفضيلة والسلام، وبفضل الله سبحانه وتعالى ثم بتكاتف جهود المؤسس وأبنائه من بعده شقت المملكة العربية السعودية طريقها لتصبح ذات حضور عالمي تجمع بين أصالة الماضي ورسوخ الحاضر وطموح المستقبل.
والمتأمل في ماهية يوم التأسيس؛ يستنشق عبق تاريخ عتيق يشكل وحدة زمنية واحدة لا تتجزأ برغم ما شهدته من محطات تمت معالجتها بسلاح الحق والحكمة واليقين والسواعد المتكاتفة العصية على الانكسار، ويستحضر أنفاس تراكمات ما تحقق عبر مسيرة طويلة من العطاء والوفاء والوعي، ومن ثم، يهب نفسه ليكون حصنًا منيعًا لذلك الماضي العريق ونبضًا عامرًا بالهمة والإصرار على المضي قدمًا نحو تحقيق المزيد من الأمن والاستقرار والازدهار.
وفي إطار رسالتها نحو نشر الفضيلة والسلام، لم يقتصر اهتمام المملكة العربية السعودية على الأمن المجتمعي الداخلي ومسيرة التطوير الذاتي حتى باتت أنموذجًا يحتذى به، بل راحت تقدم الدعم بأوسع طاقاته لمساندة الدول العربية والإسلامية، ورسخت مكانتها وإمكاناتها لمناصرة الحق ودحض الظلم لاسيما ما يتصل بالقضية الفلسطينية التي ما انفكت تمثل الدرجة الأعلى في إطار اهتمامات المملكة على امتداد تاريخها منذ تأسيسها حتى اليوم.
واللافت في يوم التأسيس وكافة المناسبات الوطنية السعودية، أنها لا تشكل واجهة فخر واعتزاز للشعب السعودي وحده، إنما أيضًا للمقيمين في رحاب هذه الأرض، ولن أذهب بعيدًا في هذا الاتجاه، فبالنسبة لي؛ فأنا كفلسطيني مقيم على أرضها منذ ما يقارب نصف قرن، أرى أن هذه المناسبات لا تقف لدي عند حدود القراءة في كتب التاريخ، بل تمتد مكانتها إلى مساحة أعمق من الشعور، إذ لم أكن يومًا مجرد شاهد على المسيرة السعودية، بل كنت جزءًا من تفاصيلها الحياتية، أعيش أفراحها، وأشهد تحولاتِها، وألمس عن قربٍ معالم انتمائي لها بوصفها وطنًا كريمًا يأخذ بيد الإنسان ويصون كرامته.
والمتابع المنصف للقضية الفلسطينية يجد أن المملكة العربية السعودية لطالما كانت أكثر من مجرد دولة شقيقة لفلسطين؛ لقد كانت سندًا ثابتًا لا يتغير ولا يتبدل، بل كانت ولم تزل صاحبة مواقف راسخة مشرفة منذ عهد الملك المؤسس، وصولاً إلى هذا العهد الميمون، حيث ظلّت القضية الفلسطينية تسكن الوجدان السعودي؛ قيادة وشعبًا باعتبارها قضيتها الأولى.
وفي العدوان الحاقد الأخير على قطاع غزة، الذي لم يزل قائمًا حتى اللحظة، تجلّى الموقف السعودي في صورٍ متعددة، حيث عبّرت المملكة عن رفضها لاستهداف المدنيين، وأكدت ضرورة حماية الأبرياء، وساهمت في تقديم الدعم الإنساني والإغاثي، ولم تزل تطالب عبر مختلف المحافل المحلية والإقليمية والدولية برفع الحصار الظالم عن غزة وأهلها، ولعلي أقف ههنا وقفة اعتزاز عز نظيره وأنا أرى موقفها الصلب في رفضها لمسألة التطبيع مطالبة بإقامة الدولة الفلسطينية وفقًا لما نصت عليه المبادرة العربية وما تلاها من تطورات وبعدها لكل حادث حديث، الأمر الذي يشير إلى صلابة المواقف الأصيلة التي تعكس ما دأبت عليه المملكة في نصرة القضايا العادلة وفي مقدمتها القضية الفلسطينية.
لقد عشت على ثرى هذه الأرض الطيبة وبين أهلها الكرام ما يقارب الخمسين عامًا، وفيها رزقني الله أبنائي الأربعة الذين تربَّوا في روحانية أجوائها، وتعلموا في مدارسها وجامعاتها، وحصلوا على أعلى الشهادات فيها أسوة برفاقهم السعوديين لدرجةٍ لم نشعر معها لحظة أننا غرباء، فتوطّن لديّ الشعور أن يوم التأسيس ليس مناسبةً وطنيةً سعوديةً فحسب، إنما هو يومُ امتنانٍ شخصي، أستحضر فيه مشاهد العطاء والوفاء، وأستذكر معه كيف كانت هذه البلاد الملاذ الآمن لملايين العرب والمسلمين، ومنهم أبناء فلسطين الذين وجدوا فيها حضنًا دافئًا، ومشاعر حانية، وأمانًا شاملًا للحياة بكل تفاصيلها.
لقد علّمتني هذه السنوات الطويلة أن قوة المملكة لم تكن في امتدادها الجغرافي وحسب، بل في عمقها الإنساني، وفي قدرتها على الجمع بين الاعتزاز بجذورها، والوفاء لحاضرها ومحيطها، والثبات على مواقفها، ولذلك ما ارتفع البيرق السعودي يومًا إلا ووجدتني أضع قبضة يميني على موضع القلب من صدري اعتزازًا وتمجيدًا وإجلالًا، ليس فقط لكونه يشكل رمزًا لسيادة الدولة، إنما أيضًا لكونه رايةَ وطنٍ احتضنني وأسرتي أعزّاء مكرمين، وكم أتحسس معالم الفخار تنتفض داخلي وأنا أنشد للسعودية في يوم تأسيسها قائلًا:
هَا قَدْ تَلَأْلَأَتِ الْقُرُونُ مُجَدَّدَا
وَالْكُلُّ يَهْتِفُ صَادِقًا مُتَوَعِّدَا
وَأَئِمَّةٌ رَسَمُوا الْكَيَانَ بِهِمَّةٍ
عَزْمُ الرِّجَالِ حَمَى الْحُدُودَ وَشَيَّدَا
تَأْسِيسُ عِزٍّ شَامِخٍ لَا يَنْزَوِي
ذِكْرَى بِنَاءٍ عَانَقَتْ ذَا الْأَمْجَدَا
مَجْدٌ تَلِيدٌ حِصْنُهُ سَاحُ الْوَغَى
أَبْوَابُ مَدٍّ وَاعِدٍ لَنْ تُؤْصَدَا
هِيَ عِزُّنَا هِيَ نَبْضُنَا هِيَ أَمْنُنَا
هِيَ ذِي النَّجَاةُ وَنَحْنُ صَدٌّ لِلْعِدَا
وَيْلٌ لِمَنْ ضَمَرَ الْخَرَابَ بِأَرْضِهَا
فَالْحَزْمُ آتٍ لَا مَحَالَةَ مُرْعِدَا
الْحَزْمُ مُرٌّ؛ طَعْمُهُ مِنْ عَلْقَمٍ
إِنْ ذَاقَهُ الْأَعْدَاءُ سِيقُوا لِلرَّدَى
صَقْرُ الْجَزِيرَةِ صَحْبُهُ مِنْ حَوْلِهِ
رَفَعَ الْإِشَارَةَ لِلدِّيَارِ مُوَحِّدَا
هَذَا الزَّعِيمُ الْعَبْقَرِيُّ وَنَسْلُهُ
هُمْ لِلْوَغَى أُسْدٌ وَهُمْ صَوْتُ الْفِدَا
عَبْدُ الْعَزِيزِ الْيَعْرُبِيُّ وَشَعْبُهُ
أَسْيَافُ رَدْعٍ لِلْحِمَى لِمَنِ اعْتَدَى
طُوبَى لِمَنْ حَمَلَ الْحُسَامَ بِكَفِّهِ
وَأَعَادَ مَجْدًا لِلْجُدُودِ وَجَدَّدَا
تَارِيخُ إِرْثٍ ثَابِتٍ لَا يَنْتَهِي
أَنْفَاسُ هَامَاتٍ صَفِيَّاتُ النَّدَى
لِلْقُدْسِ حَامِيَةٌ لِأَقْصَاهَا غَدَتْ
أَرْكَانَ فَتْحٍ قَادِمٍ قَدْ حُدِّدَا
وَلِغَزَّةَ فِي قَامُوسِهَا كُلُّ الْوَفَا
أَمْوَاجُ صَدٍّ رَادِعٍ مَنْ هَدَّدَا
سَلْمَانُ يَا مَلِكَ الْبِلَادِ مُبَارَكٌ
عُرْسُ الْهَنَا بِالسَّعْدِ هَلَّ مُمَجَّدَا
وَوَلِيُّ عَهْدٍ حَازِمٌ نَحْوَ الْعُلَا
خَطَّ الْخُطُوطَ وَرَاحَ يَبْنِي سؤْدَدَا
عَلَمُ الْأَمَاجِدِ قَدْ سَمَا صَوْبَ الْمُنَى
وَالْخَيْرُ هَلَّ، بِرُؤْيَةِ الْمَجْدِ ابْتَدَا
يَا رَبِّ حَمْدًا دَائِمًا فِيهِ الرَّجَا
مَا رَفَّ طَيْرٌ فِي الْفَضَاءِ وَغَرَّدَا
هَذِي الدِّيَارُ سَمَاؤُهَا مَحْرُوسَةٌ
فِيهَا الْحَبِيبُ مُحَمَّدٌ نُورُ الْهُدَى
صَلَّى عَلَيْهِ اللَّهُ دَوْمًا وَارْتَضَى
وَعَلَى رِجَالَاتٍ لَهُمْ طِيبُ الصَّدَى
وإني لأهتف من أعماق روحي أن مبارك لك يا سعودية، مبارك للملك المفدى، ولولي عهده الأمين صاحب الرؤية الماجدة، ولشعبك الوفي النبيل، وكل عام وأنت السند الأصيل لساكنة مُهَجِ القلوب وحباتِ العيون «فلسطين» وللمسجد الأقصى الذي بارك الله حوله. ودائمًا وأبدًا؛ الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله.
** **
- كاتب وشاعر فلسطيني