عفاف بنت صياح الشمري
عند الحديث عن بدايات الدولة السعودية الأولى، قد يبدو الطين مادة بسيطة للبناء، لكنه في بيئة نجده حلًا هندسيًا متكاملًا وفّر الاستقرار للسكان ومهّد لقيام مجتمع منظم
البيوت الطينية في الدرعية لم تكن اختيارًا عابرًا، بل حلاً ذكيًا ينسجم مع مناخ نجد القاسي، علاوةً على أن الطين يمتاز بقدرته العالية على العزل الحراري؛ إذ تحافظ الجدران السميكة على برودة الداخل في الصيف ودفئه في الشتاء.
كانت تقنيات البناء التقليدي في المناطق الطينية تعتمد على استخدام جذوع الأثل كعناصر إنشائية رئيسية توضع فوق الجدران المصنوعة من الطين، ثم تُغطى بطبقات متتالية من جريد النخل والطين المضغوط.
أسهم هذا التكوين البنائي في تشكيل أسقف متماسكة قادرة على توزيع الأحمال بشكل متوازن، مما عزز من متانة المبنى واستقراره الهيكلي، كما ساعد وجود الأخشاب على امتصاص جزء من الاهتزازات والتقلصات الناتجة عن التغيرات الحرارية، الأمر الذي حدّ من تشقق الجدران وحافظ على سلامة البنية لفترات طويلة.
وتجدر الإشارة إلى أن شجرة الأثل، التي تنمو طبيعيًا في البيئات الجافة وبالقرب من مجاري الأودية، كانت متوفرة محليًا، مما جعل استخدامها خيارًا اقتصاديًا ومستدامًا، وقد جسّد هذا الاعتماد على الموارد الطبيعية المتجددة فهمًا مبكرًا لمبادئ الاستدامة البيئية والتكيّف المناخي في العمارة التقليدية المحلية.
وقد بلغت سماكة بعض الجدران قرابة نصف متر، ما وفر حماية من الحرارة الشديدة والعواصف الرملية، وأسهم في استقرار الحياة اليومية للسكان.
ولم تقتصر الفكرة على الجدران فقط؛ فقد صُممت الأفنية الداخلية لتهوية طبيعية فعّالة، بينما ساعدت الفتحات الصغيرة المرتفعة على تقليل دخول أشعة الشمس المباشرة مع السماح بتجدد الهواء، هذه الحلول البسيطة مكّنت السكان من العيش والعمل في بيئة مريحة دون وسائل تبريد حديثة، وهو ما عزز الاستقرار الاجتماعي والإنتاجي في المنطقة
وهذا الاستقرار المعيشي كان عنصرًا حاسمًا في نشوء كيان سياسي قوي ومنظم قادر على الإنتاج والتجارة والزراعة في وادي حنيفة، ومع توفر الماء والأراضي الزراعية، أصبحت الدرعية مركزًا حيويًا جذب السكان والأنشطة الاقتصادية، وهو ما هيأ الأرضية لقيام كيان سياسي قوي انطلقت بدايات الدولة التي أسسها الإمام محمد بن سعود، من حي الطريف والذي يقع في محافظة الدرعية على مسافة 20 كيلومتراً غرب مدينة الرياض، والدرعية، المعروفة قديماً بـ«العوجاء»، واحة غناء تتزين بالنخيل وترفل بالنسيج الفريد للعمارة التقليدية في نجد، وهي العاصمة الأولى للدولة السعودية، والتي تطورت عبر المراحل التاريخية حتى قيام المملكة العربية السعودية.