د. غالب محمد طه
كان جوزيف بوليتزر يتحدث عن زمنه، لكن كلماته تبدو وكأنها كُتبت لصحافي اليوم: أن تُقال الفكرة بوضوح، وأن تُروى القصة بما يكفي ليبقى أثرها في ذهن القارئ. هذه النصيحة القديمة ما زالت تحمل معناها، لأنها تعيد المهنة إلى أصلها: أن الكتابة ليست سباقًا نحو الناس، بل محاولة للبقاء معهم قليلًا.
هذا المعنى كان حاضرًا في المنتدى السعودي للإعلام 2026، الذي جاء امتدادًا للأسئلة التي أثارها تقرير رويترز عن القارئ الجديد؛ ذلك القارئ الذي لا ينتظر المقال الطويل، ولا يمنح انتباهه إلا لمن يخاطبه بصدق. المنتدى لم يناقش التحوّلات بوصفها ظاهرة تقنية، بل بوصفها علاقة تحتاج إلى إعادة بناء بين الصحافي ومن يقرأ له.
في المقال السابق كان السؤال: كيف نصل إلى القارئ الجديد؟ أما هنا، فالسؤال مختلف: كيف نبقى جزءًا من يومه، وكيف نكتب له بطريقة تجعله يشعر بأننا نفهمه فعلًا، لا أننا نحاول اللحاق به.
داخل المنتدى، لم يكن النقاش عن «الفيديو أولًا» هو ما لفت الانتباه، بل ذلك الشعور بأن المهنة تتوقف قليلًا لتراجع نفسها. لم يعد الصحافي يبدأ يومه بالسؤال عن المنصّة، بل بالسؤال عمّا يمكن أن يضيفه. قارئ اليوم يعرف ما يريد، ويمنح انتباهه لمن يقدّم له شيئًا يستحق القراءة. وهذا التحوّل، رغم بساطته، يعيد تعريف المهنة من جذورها. فالصحافة التي تطارد الأرقام تفقد نفسها قبل أن تفقد جمهورها. والقارئ الذي تحدّث عنه تقرير رويترز هو نفسه الذي تحدّث عنه المتحدثون في المنتدى: قارئ يريد فهمًا لا ضوضاء، ويريد قصة مبنية على جهد حقيقي، لا على إعادة تدوير ما قيل. ولهذا عادت مؤسسات كثيرة إلى التحقيقات، والمتابعة الدقيقة، والسرد الذي يحترم عقل المتلقي. ومع النقاشات في المنتدى، تبيّن أن الحديث عن المدينة يقترب من الناس أكثر مما يبدو. فكل واحد يعرف طريقه اليومي، ويلاحظ تغيّر الشارع قبل أن يسمع عنه في أي وسيلة. حركة المارة، الأماكن التي يتوقفون عندها، والزوايا التي يمرون بها دون تفكير، كلها تدخل في الصورة التي ينقلها الإعلام. وعندما يلتفت الصحافي إلى هذه التفاصيل، يصبح المكان جزءًا من الحكاية لأنه حاضر في يوم الناس، لا لأنه فكرة يجب شرحها.
من هنا جاء الحديث عن جودة الحياة، لا كعنوان اقتصادي، بل كطريقة لقياس قدرة المدن على احتضان الإنسان. الإعلام في هذا السياق لا يكتفي بنقل الأرقام، بل يحاول أن يربطها بما يعيشه الناس فعلًا، وأن يقدّمها في سياق يساعدهم على فهم ما يجري حولهم.
ثم جاءت الترجمة لتفتح بابًا آخر. فالعالم الذي تتقاطع فيه اللغات يحتاج إلى من ينقل الروح قبل الكلمات، وإلى من يدرك أن المعنى لا يُختصر في جملة. هنا يصبح الإعلام جسرًا بين ثقافات، لا مجرد وسيط لغوي.
أما «صحافة السلام»، فقد أعادت طرح سؤال الأخلاق المهنية في زمن تتعدد فيه الروايات. طريقة سرد الحدث قد تُعمّق الجراح أو تساعد على الفهم. والإعلام، حين يرى الإنسان داخل القصة، يستطيع أن يقدّم رواية لا تُخفي الألم، لكنها لا تستسلم له.
وفي نسخة 2026 من المنتدى، كان واضحًا أن النقاش لم يبقَ في مستوى الأفكار. فقد شارك وزراء إعلام عرب وخبراء دوليون في حوارات تناولت مستقبل المهنة بعمق، وأُطلقت مبادرات عملية مثل معسكر الابتكار الإعلامي ووثيقة مبادئ الذكاء الاصطناعي في الإعلام. هذا الحضور المتنوع أعطى المنتدى طابعًا عمليًا، وجعل النقاشات أقرب إلى اختبار الأفكار في سياق مهني حيّ. وفي كل ما طُرح، بدا أن السعودية لا تنظر إلى الإعلام كقطاع منفصل، بل كجزء من مشروع أكبر يعيد تشكيل المعرفة والثقافة والمدينة معًا. المبادرات التي ظهرت، والحوارات التي دارت، والشراكات التي بُنيت، لم تكن محاولة للحاق بما يجري في العالم، بل خطوة نحو بناء نموذج محلي له لغته الخاصة وثقله الإقليمي. وهذا التحوّل لا يأتي من وفرة الموارد، بل من وضوح الاتجاه، ومن إيمان بأن المهنة تحتاج إلى مساحة تعيد فيها اكتشاف نفسها.
وفي نهاية هذا الامتداد يبقى السؤال الذي بدأناه: هل سيظل هناك من يروي قصصنا؟ ليست الأدوات ولا المنصّات ما يصنع العلاقة، بل الطريقة التي نقترب بها من الناس، وكيف نفهم ما يجري قبل أن نكتب عنه، والقدرة على قول الحقيقة كما نراها. فالصحافة تبدأ بالإنصات؛ بأن نمنح أنفسنا وقتًا لنفهم، وأن نكتب عمّا يشغل القارئ فعلًا، لا عمّا يرفع الأرقام. وعندما يعود هذا الجوهر إلى مكانه، تستعيد المهنة قدرتها على البقاء، ويستعيد القارئ ثقته بأن هناك من يكتب له، لا عنه.
ولعل بوليتزر، لو كان بيننا، لابتسم وهو يرى أن نصيحته القديمة ما زالت صالحة: أن الصحافة ليست ما نملكه من أدوات، بل ما نتركه في قلب القارئ حين يطوي الصفحة.
وبالله التوفيق