د. فهد بن أحمد النغيمش
إن من أجلّ النِّعم، وأرفع العطايا، وأجمل المنن، نعمته عز وجلّ علينا بدخول شهر رمضان ونحن نرفل في نعم لا تُعد ولا تُحصى، في أمن وأمان وراحة واطمئنان تحت قيادة حكيمة رشيدة، وبين أهل وأبناء وإخوان. وغيرنا قد فرقت بينهم الدنيا؛ فهذ مشرد قد باعدت الأسفار بينه وبين أهله، وهذا رجل فارق أهله وبيته بسجن أو غربة لسنين طويلة، فليحمد الله الواحد منا أنه أدرك رمضان وهو يرفل بثوب الصحة والعافية، وغيره يتألم وجعا ويئن ألماً من أمراض ألزمته السرير فلا هو الذي صام مع المسلمين ولا هو الذي اطمأن من أوجاعه وآلامه!
الناس في بداية الشهر اعتادوا أن يستقبلوا الشهر بأنواع وصنوف من المأكولات والخيرات وغيرهم لا يجد تمرة أو شربة يفطر عليها، فيدخل علينا شهر رمضان ونحن في أمن وأمان لا نخاف على بيوتنا ولا على أولادنا ولا على أموالنا، بينما في بلدان غير بعيدة عنا حروب وفتن ومصائب ومحن ! يدخل علينا شهر الصيام، ونحن لازلنا على قيد الحياة قد مد في أعمارنا وآجالنا، بينما غيرنا كانوا يرقبون حلوله ويعدون الأيام والليالي لينالوا شرف صيامه وقيامه، ولكن قد حال الموت بينهم وبين إدراكه، فيا لها من غنيمة ما أكرمها وأغلاها! {قُلْ بِفَضْلِ اللّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ هُوَ خَيْرٌ مِّمَّا يَجْمَعُونَ} (58) سورة يونس. فهنيئاً لمن أدركهم رمضان وهم في عافية ونعمة وأمان، فأحسنوا استقباله وصيامه وقيامه، وتعرضوا لنفحات ربهم سبحانه حافظين لحدوده، معظمين لشرعه، تنافسوا في الطاعات واجتنبوا السيئات.
وعلى هذا، فإن من أهم ما يجب على المسلم أن يعتني به وهو ما زال في بداية شهره، والفرصة أمامه والسوق قائمة، أن يصلح قلبه من كل ما يحول بينه وبين ربه، فيطهره من دنس الرياء والشك والشرك، وينظفه من وضر الحقد والغل والحسد، ويتخلص من نار القطيعة والبغضاء والشحناء؛ فإنه والله من الغبن أن يرفع المسلم يديه يبتهل إلى ربه ويدعوه عند فطره وقلبه مليء بالغل والحقد على عباد الله، مليء بالهجران والقطيعة ملأى بأكل الحرام والعياذ بالله.. ليكن هذا الشهر انطلاقة للصفح والتسامح وللتواصل والتواد، فإن الدنيا والله لا تستحق من أن نتقاطع ونتدابر، وأن لا يرفع لنا أعمال ولا يُقبل منا دعاء بسببها! شهر رمضان ثلاثون يومًا، وهي كما وصفها الله تعالى في كتابه الكريم أيام معدودات، تمر وكأنها ساعات، لكنها أيام عظيمة الأثر مباركة التأثير، فيها علاج وتهذيب وتغيير، ينبغي عليك أن تجتهد فيها بالعمل الصالح وتحذر من عوائق الشيطان وإملاءاته، واتباع الهوى، وليحذر المرء أشد الحذر من أمراض مزمنة مهلكة، تفتك بالمرء وتمنعه من اكتساب الحسنات في شهر البركات، أشدها وأكثرها انتشارا مرض التسويف والتأجيل، وداء التباطؤ والتكاسل والخمول. يدخل رمضان، فيهمل المرء أول ليلة منه ولا يهتم بها، ثم تمر عليه الليلة الثانية كالأولى، ثم لا يشعر إلا وقد مرت العشر الأولى وهو في مكانه، يراوح ويتلفت حائرًا، ويقف مشدوهًا لا يدري ماذا يفعل.
الناس حوله ما بين مستكثر من نوافل الصلاة، وتال للقرآن وذاكر ومستغفر، ومزك ومتصدق وباذل، ومفطر للصائمين وقائم في المساجد مع القائمين، يتنافسون في جمع الحسنات، ويتسابقون في الصعود في الدرجات، وهذا المسوف المتكاسل الخامل، ما زال واقفًا مترددًا يمر عليه اليوم وهو لم يقرأ آية أو يتصدق أو يبذل أو يحسن في يومه وتراه يقول لا زلنا في بداية الشهر، وهو لا يدري: هل يكمل هذا الشهر أم تقبض روحه قبل تمامه؟! بل والله إنه لا يعلم إذا أصبح هل يعيش يومه إلى غد أم لا؟!
شهركم شهر الخيرات والمسابقة لفعل الطاعة من صدقة وصيام وقراءة قرآن وزيارة وصلة أرحام، كم من الخيرات والمسابقة للفضائل والمكرمات. تعمر المساجد بالصلاة والذكر والمرابطة، قال عليه الصلاة والسلام «إن هذه المساجد لذكر الله عز وجل، والصلاة وقراءة القرآن» أخرجه مسلم، وفي حديث أبي هريرة: «ألا أدلكم على ما يمحو الله به الخطايا، ويرفع به الدرجات؟» قالوا بلى يا رسول الله قال: «إسباغ الوضوء على المكاره، وكثرة الخطا إلى المساجد، وانتظار الصلاة بعد الصلاة، فذلكم الرباط، فذلكم الرباط» وفي السنن «بشر المشائين في الظلم إلى المساجد بالنور التام يوم القيامة». شهر رمضان شهر الدعاء فالدعاء فيه مشروع ومظنة الإجابة فيه كبيرة.. جاء عنه - صلى الله عليه وسلم أنه قال: «ثلاثة لا ترد دعوتهم: الإمام العادل، والصائم حتى يفطر والمظلوم..
وجاء عنه -صلى الله عليه وسلم- أنه قال -»إن للصائم عند فطره لدعوةً ما ترد» فلا تنسوا أنفسكم ولا أهليكم ولا لمن له حق عليكم أن تدعوا لهم، لا تنسوا ان تخصوا أحباباً لكم كانوا يشاركونكم فرحة الإفطار ودخول رمضان فهم بأمس الحاجة إلى دعوة منكم تؤنس وحشتهم وترفع من درجتهم، لا تنسوا الدعاء لمن أنهكه المرض وأرهقه الألم ادعوا لإخوانكم بأن يصلح حالهم ويجمع شتاتهم ادعوا الله بأن يحفظ عليكم دينكم ويجنبكم الفتن والمصائب والإحن ادعوا الله والحوا في الطلب ان يحفظ عليكم أمن بلادكم ومقدساتكم وولاة أمركم لا تستحقروا دعاء، ولا تستصغروا حاجة؛ فربكم يجيب من دعاه، ويسمع لعباده كل وقت وزمان، تقبل الله منا ومنكم الصيام والقيام وصالح الأعمال.