منصور بن صالح العُمري
ليس البلاء الذي ينزل بك هو الأشدّ إيلامًا،
بل ذاك الذي ينزل على من تحبّ،
فتقف عند حدود عجزك،
وتتردّد في صدرك آية الكبد:
{لَقَدْ خَلَقْنَا الإِنسَانَ فِي كَبَدٍ}.
كأنك تُدرك فجأة أن الكبد سُنّة،
لكن القلب – حين يرى وجع أحبّته –
لا يقرأ السنن بهدوء العالِم،
بل بحرقة المحبّ.
ترى التعب في وجوههم،
فتتمنى لو كنت الفداء،
لو كان الألم يقبل القسمة،
لو أن الوجع يُنقل كما تُنقل المتاعب الصغيرة.
لكن الله يقول لك -في عمق هذا المشهد-:
{وَهُوَ أَرْحَمُ الرَّاحِمِينَ}،
فيسكن في صدرك شيءٌ من الطمأنينة،
ثقةً بأن رحمة الله أوسع من قلقك،
وأحنّ من دمعتك.
يا صاحب القلب الوجل..
انظر بعين البصيرة،
فلعلّ هذا الذي تراه شدةً
هو في ميزان السماء اصطفاء.
ألم تقرأ:
{وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ}
كأن البشارة تُخبَّأ خلف الجرح،
وكأن وراء كل دمعةٍ رسالةً تقول:
ما كان هذا ليضيع.
ربما أراد الله أن يخلو بهم،
أن يُناديهم إلى مقامٍ لا يبلغه ازدحام العافية،
أن يجرّدهم من ضجيج الأسباب
ليُسمعهم همس القرب.
{فَإِنِّي قَرِيبٌ}..
هكذا يقول ربّهم،
قريبٌ من دعوة المضطرّ،
قريبٌ من تنهيدة الليل،
قريبٌ من قلبٍ انكسر فلم يجد إلا الله.
في لحظة البلاء،
تسقط عن الروح أقنعة الاكتفاء،
ويصدق الدعاء كما لم يصدق من قبل.
هناك تستذكر الآية:
{أَمَّنْ يُجِيبُ الْمُضْطَرَّ إِذَا دَعَاهُ}،
فيصير الاضطرار نفسه نعمةً،
ويصير الانكسار بابًا.
نحن نرى الألم سحابةً داكنة،
والله يراه مطرًا يغسل القلوب.
نحسبه نقصًا،
وهو زيادة خفيّة في الدرجات،
{إِنَّمَا يُوَفَّى الصَّابِرُونَ أَجْرَهُم بِغَيْرِ حِسَابٍ}.
بغير حساب..
كأن العطاء هناك لا يُقاس،
ولا يُحَدّ،
ولا تُدركه مقاييس الأرض.
يا من تخاف على من تحبّ..
سلِّمهم لمن قال:
{اللَّهُ لَطِيفٌ بِعِبَادِهِ}.
اللطف.. ذاك التدبير الذي لا يُرى،
اليد التي تعمل خلف الأستار،
الرحمة التي تمشي في ثياب الألم،
ثم لا تنكشف إلا بعد حين.
قل: يا رب،
إن كان هذا البلاء رفعةً لهم،
فاجعله رفعةً مطمئنة،
وإن كان تطهيرًا،
فاجعله تطهيرًا لا يُبقي في قلوبهم إلا نورك.
وإن كانت دموعهم قد سبقتني إليك،
فاجعلها شهادة قرب،
واجعلني ممن يقرأ قدرك بعين الثقة،
لا بعين الجزع.
فربّ ألمٍ رأيناه نهاية،
وكان عند الله بداية.
وربّ وجعٍ خِفنا منه،
وكان في علم الله طريقًا إلى قوله:
{سَلَامٌ عَلَيْكُم بِمَا صَبَرْتُمْ}.
وهناك..
حين ينكشف الغطاء،
ويعلم القلب أن ما مرّ به
لم يكن إلا عنايةً مغلّفة،
سنقول كما علّمنا القرآن:
{الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي أَذْهَبَ عَنَّا الْحَزَنَ}