منى السعدي
متى يبدأ الارتياح للأشخاص من النظرة الأولى؟
وهل تكفي هذه النظرة لإصدار الأحكام عليهم من الناحية الأخلاقية والسلوكية والعقلية، حتى يصبحوا مصدر ثقة وسكينة في التعامل، أو سببًا للحرص والحذر؟.
لا شك أن هذه الأسئلة تُعد من أكثر التساؤلات حضورًا في حياة الناس، بل إن طرحها يعكس وعيًا ورغبة صادقة في فهم طبيعة العلاقات الإنسانية، فهي أسئلة تتقاطع فيها التجربة الذاتية مع المعرفة العلمية، وتتعدد إجاباتها بتعدد الخبرات والمواقف، ومن هذا المنطلق يأتي هذا الطرح بعيدًا عن المبالغة أو تضخيم الأمور، في محاولة للوصول إلى فهم متزن يساعد الإنسان على التعامل مع ذاته أولًا، قبل إصدار الأحكام على غيره، وفق منهج يقوم على الفطنة والوعي دون تسرّع أو اندفاع.
الإحساس الداخلي المصاحب للنظرة الأولى ليس وليد المصادفة، بل هو قراءة سريعة لإشارات ظاهرة، تتكوّن من ملاحظات مختزنة، وغالبًا ما يكون هذا الإحساس صائبًا بوصفه مؤشرًا أوليًا يوجّه التعامل، لا حكمًا نهائيًا يُبنى عليه موقف دائم.
فالنظرة الأولى قد تزرع شعورًا بالارتياح أو تدعو إلى الحذر، لكنها تظل بحاجة إلى ما يؤكدها أو ينفيها عبر المواقف والتجربة المباشرة.
وتبرز هنا أهمية السلوك والتصرفات اللاحقة، إذ إن كثيرًا من مظاهر الحذر التي تتعزز لدينا لا تنبع من النظرة الأولى وحدها بل من تصرفات غير مقبولة نشاهدها في حياتنا اليومية، تتجاوز ما يُعرف بالحدود التي تضمن الاحترام والتقدير المتبادل بين الناس، فالحدود ليست قيودًا جامدة بل ضوابط تحفظ المساحة الشخصية وتحدد ما هو مقبول وما هو مرفوض في التعامل وتمنح العلاقات توازنها الصحي.
عندما تُتجاوز هذه الحدود دون إذن أو وضوح، يبدأ التساؤل في دواخلنا:
هل هذا التدخل نابع من دعم حقيقي؟ أم من غيرة أو رغبة في السيطرة أو تشويه الصورة أو حتى إلحاق الأذى؟.
ومن هنا تتشكل ردّات الفعل؛ فإما أن يكون التصدي عقلانيًا قائمًا على وضوح الموقف وحماية الذات، أو أن يكون خاطئًا حين نغرق في تبرير التجاوز ومحاولة فهمه على حساب كرامتنا وحدودنا.
تؤكد التجربة الإنسانية أن احترام الحدود يعزز الثقة ويمنح الشعور بالأمان في العلاقاتن بينما يؤدي تجاهلها أو الاستهانة بها إلى توتر مستمر يدفع الإنسان إلى زيادة الحرص والحذر لا بدافع سوء الظن بل بدافع حماية الذات من تكرار التجاوز، فالثقة لا تُمنح بالكلمات أو الانطباعات وحدها بل تُبنى بالفعل والالتزام واحترام المساحة المشتركة.
وعليه، فإن النظرة الأولى لا تحكم بمعناها القاطع لكنها تُنبه، والحدس لا يُدين لكنه يُحذّر.
أما الحكم الحقيقي، فيتشكّل مع الوقت، حين تتراكم المواقف، وتظهر النوايا من خلال الأفعال، فالحكمة لا تكمن في تجاهل الإحساس الداخلي، ولا في التسليم المطلق له، بل في الموازنة بين ما نشعر به أول اللقاء، وما تثبته الأيام لاحقًا.