د. عيد بن مسعود الجهني
المشهد العالمي اليوم يحدثنا بلغة واضحة لا لبس فيها بأن كوكبنا الأرضي قد يكون على أبواب حرب عالمية ثالثة، في ظل سباق التسلح العسكري والذري المجنون خاصة بين روسيا وأمريكا.
كلتا الدولتين في سباق محموم في التسلح النووي، وزادت حدته بعد أن أعلن الرئيس الأمريكي ترامب في الأول من شهر فبراير 2018 عزمه على دفع عجلة ترسانة بلاده النووية إلى الأمام، وجاء رد الرئيس الروسي بوتن في نفس التوجه.
يؤكد هذا انسحاب الرئيس الأمريكي ترامب من المعاهدة النووية متوسطة المدى (INF) التي أبرمت مع الاتحاد السوفييتي (السابق) ووقعها ميخائيل غورباتشوف عن الجانب الروسي وريجن عن الجانب الأمريكي عام 1987 ومن ضمن شروط تلك المعاهدة سحب أكثر من 2600 صاروخ نووي تقليدي من الأنواع القصيرة والمتوسطة المدى.
وقد جاء الانسحاب الأمريكي مدعية واشنطن أن روسيا انتهكت الاتفاقية، وردت على ذلك روسيا بانتهاء العمل بتلك المعاهدة بشكل نهائي.
هذا ينذر بشفير حرب كونية ثالثة تقضي على البشر والحجر في خضم الصراعات والنزاعات والحروب الدائرة في كل أركان الكرة الأرضية خاصة في منطقة الشرق الأوسط وتحديدا في منطقة الخليج العربي مستودع النفط العالمي، ليصبح العالم اليوم عبارة عن ترسانة نووية مدمرة، فالدول تتسابق لامتلاك هذا السلاح عدو الإنسانية.
ومما زاد الطين بلة أن معاهدة (نيوستارت) التي تهدف إلى تخفيض الأسلحة النووية بين الدب الروسي والغول الأمريكي قد لحقت بأختها ولا شك أن انتهاء معاهدة 1987، ومعاهدة (نيوستارت) التي وقعت بين القوتين النوويتين أمريكا وروسيا عام 2010، ويمثل انتهاء المعاهدتين ضربة قوية للسلام والأمن الدوليين.
لماذا؟ لأن ذلك يزيد من الوضع العصيب الذي يعيشه العالم اليوم، فالقيود التي كانت مفروضة على ترسانة الدولتين النوويتين على (رخاوة الثغرات التي كانت تحتضنها) إلا أنها ساهمت بشكل واضح بدعم الأمن والسلام العالمي.
ومع تلك التطورات الخطيرة ووفاة معاهدة مراقبة التسلح فإن خطر هبوب عاصفة حرب نووية أصبح أكثر خطورة مع ترك الباب مفتوحا للدولتين وغيرهما في الدفع بقوة لتوسيع ساحة السلاح الذري في ظل هذه الحقبة من التاريخ التي تشهد أن معاهدات الحد من الأسلحة النووية أصبحت حبرا على ورق، واستبدلت بعرض عضلات القوة النووية جهاراً نهاراً.
إذا أصبح العالم بأسره بدون ضوابط نووية لتشهد البشرية فترة عصيبة قد يخرج من رحمها أحداث جسام ودخول دول جديدة النادي النووي لتصبح الساحة مفتوحة لنشوب حروب كبرى أبطالها الخمسة الكبار أصحاب الفيتو اللعين بمجلس الأمن.
ولخطورة هذا (الانكسار) النووي الاستراتيجي بين الدولتين ، فان بعض الدول خاصة أعضاء النادي النووي وفي مقدمتهم الصين والدول الأخرى صاحبة الفيتو بمجلس الأمن أعلنت مرارا وتكرارا رغبتها بعودة المباحثات بين الدولتين.
هذا لأنهما يسيطران على (90) في المئة من إجمالي القوة الذرية في عالم اليوم الذي يواجه خطرا غير مسبوق، وإذا ما نشبت نيران حرب كونية ثالثة فان مخزونها الذري قادر على إنهاء الحضارة البشرية والحياة على سطح الأرض مرات عدة.
وعلى سبيل المثال الدب الروسي يمتلك (6850) من الرؤوس النووية، يقابلها الترسانة الأمريكية (6550) رأسا نوويا، ناهيك عن الرؤوس النووية الصالحة للاستخدام في المستودعات أو ألحقت بصواريخ بالستية أو سفن حربية مدمرة، نصيب أمريكا منها (4000) وروسيا (4360).
وتؤكد التقارير أن الصواريخ التي وضعت في حالة استعداد تامة تمتلك روسيا منها (1440) رأسا نوويا والجانب الأمريكي له (1350) رأساً نووياً.
حقيقة الأمر أن العالم يشهد مسرحا واسعا من سباق التسلح المحموم في قوة الردع النووي، مثلا يأتي بعد روسيا وأمريكا، الصين تليها فرنسا ثم الدولة العبرية ثم بريطانيا، وهناك دولا نووية، الهند وباكستان وكوريا الشمالية.
التاريخ اليوم في القرن الواحد والعشرين يسجل حرب روسيا على الجارة أوكرانيا، أي انتهاك سيادة دولة مستقلة بالقوة واستقطاع مناطق من تلك الدولة (أوكرانيا) وضمها للأراضي الروسية، وهذا خرق للقانون الدولي والأعراف الدولية واتفاقيات جنيف الأربع وميثاق الأمم المتحدة ومجلس أمنها صاحب الفيتو (اللعين).
الأخطر أن الرئيس بوتن فور ضمه بعض الأراضي الأوكرانية لبلاده بادر سريعا ليعلن أن أي اعتداء عليها سوف يعتبره اعتداء على الأراضي الروسية وسيكون الرد (بالسلاح النووي)، وقد كرر ذلك مرارا وفعل مساعدوه نفس الشيء.
وفي سباق التسليح المحموم بين روسيا وأمريكا قال بوتن بتاريخ 26 أكتوبر 2025 الصاروخ المجنح (كروز) الجديد الذي يعمل بالطاقة النووية (بوريفيستنيك) هو منتج فريد من نوعه لا يمتلكه أحد آخر في العالم.
ومن جانبه، الرئيس ترامب وعلى جادة الصراع بين بلاده وروسيا في فرد عضلات القوة صرح أن قوة روسيا والصين لا تعادل سوى 20 في المئة من قوة الولايات المتحدة، وأضاف أن بلاد العم سام تمتلك أفضل الأسلحة في العالم من طائرات وصواريخ وردع نووي وغيرها.
وإذا أخذنا تصريحات السيد بوتن على محمل الجد وأضفنا إلى ذلك ما أعلنه ميدفيديف وأحد أعضاء البرلمان الروسي بنفس المضمون، وتصريح السيد ترامب الذي أوضح به قوة بلاده، فان العالم سيواجه حربا كونية ثالثة.
اليوم وبعد أكثر من مئة وعشرين عاما قال هنري آدمز (ان الإنسان يمتطي العلم ويسرع به الخطى وسيأتي يوم يعجز فيه عن السيطرة على ما يخترعه من آلات وحينئذ سوف تكون حياته تحت رحمتها) هذه المقولة تصدق على السلاح النووي الذي تعود إرهاصات اكتشافه الحقيقي إلى نظرية العالم الألماني اينشتاين (Einstein) في عام 1905 التي قادت إلى اختراع القنبلة الذرية، حيث أكدت نظريته ان (المادة يمكن تحويلها إلى طاقة كما أن الطاقة يمكن تحويلها إلى مادة).
إذا الوقائع تؤكد ان العالم يسير على طريق الفناء البشري وتدمير الحضارات، ولذا بدأ الحديث عن أسلحة الحرب العالمية الرابعة وأول الذين أدلوا بدلوهم (الداهية) انشتاين عندما سأل عن أسلحة الحرب الكونية الثالثة قال (لا أعرف) وعندما كرر عليه السؤال عن سلاح الحرب الكونية الرابعة قال (سلاحها العصي والحجارة).
إذا الجنس البشري يمثل له السلاح النووي خطرا محدقا وليس باستطاعة دول العالم اجمع بشعوبه وحكوماته تحمل خسائر حرب لا تبقي ولا تذر تعلن بوضوح نهاية العالم.
ونحن نتحدث عن سحر القوة لا بد من البيان أن واحدة من أهم مضاعفة قدرة القوة على الدفاع عن الدولة بل ونقل المعركة إلى أرض الدولة المعادية هو بناء التحالفات مع دولة أو دول فالتحالفات العسكرية.. تخلق قوة مضافة للدولة أو الدول وفي هذا دعم لأسباب الدولة العسكرية واستيعاب المستجدات التكنولوجية في العلوم العسكرية.
فالحلف أو الأحلاف هي التي تفوز في المعارك والحربين العالمية الأولى والثانية لم تكسبها دولة واحدة وإنما الحلف الأقوى هو من انتصر.