خالد بن عبدالرحمن الذييب
دائماً ما تعجبنا بعض الكلمات الخالدة، دون أن نفكر بأن بعضها تمت إعادة صياغته أكثر من مرة لتظهر لنا بشكلها النهائي، بخلاف الكلمات الأخيرة، التي تأتي أثناء مواجهة الموت كحقيقة عارية بكل تجرد، والمتأمل لهذه العبارات يجد فروقات بينها حسب الحالة.
فلحظات الموت الصاخبة تنتج عبارات أشبه بالصرخة في وجه ظروف أو مجتمع يبدو ظالماً أو غادراً بالنسبة لقائليها، فهي تنطلق من أفواه أصحابها لا لتعبِّر عنهم، بل لتعبِّر عن طبيعة الحالة التي هم فيها.
فيوليوس قيصر عاش حالة لا وقت فيها لعبارات إنشائية بين أيادٍ تتلقفه وطعنات يتلقاها من كل اتجاه، حالة من الصدمة والجمود الفكري والمحاولات اليائسة للنجاة دون استيعاب لما يحدث، وكأنه أفاق بعد أن رأى الابن الروحي له أحد قاتليه فصرخ بعبارة اخترقت حاجز الصوت تعبِّر عن ألم الخيانة، ووجع الغدر.. «حتى أنت يا بروتس»، أو «أنت أيضاً يا ولدي» كما تروي المصادر التاريخية.
وفي زمان ومكان آخرين وفي تجسيد لعبارة «الثورة تأكل أبناءها» ركعت مدام رولان تحت المقصلة ووقعت عيناها فجأة على تمثال الحرية الباريسي في ساحة الكونكورد والذي أزيل لاحقاً، وكأنها تذكّرت حياتها كشريط سينمائي وصراعاتها مع خصوم الثورة بدعوى الحرية، والذين تم إعدامهم بالمقصلة، ولم تكن تعلم أنها في يوم من الأيام ستكون في نفس المكان وبنفس التهمة، فهتفت ساخرة يائسة: «كم من الجرائم ترتكب باسمك أيتها الحرية»، بعد أن انقلب عليها روبسبيير في سلسلة إعداماته المرعبة، وأخذ مكانها لاحقاً وكل ذلك.. باسم الحرية.
وفي بوليفيا تم أسر جيفارا بعد أن وَشَى به أحد من يقاتل من أجلهم بسبب أن معاركه «تزعج أغنامه» وفي لحظة موته والتي كانت أقل هدوءاً من غيره عكس حياته الصاخبة بالصراعات والمعارك لاحظ جيفارا ارتباك المكلَّف بإعدامه رمياً بالرصاص وتردده فشجعه بعبارة خالدة تؤكد فلسفته في الحياة «أطلق النار، فأنت لن تقتل سوى رجل» وكأنه يقول حتى وإن قتلتني الفكرة لا تموت، جيفارا لم يكن يرى في نفسه مجرد إنسان، بل كان فكرة تمشي على الأرض، فكرة خالدة لا تموت.
أخيراً...
مات بعضهم دون أن يقول كل ما يريد.. فصخب اللحظة عند البعض كان أقوى، ووجعها عند البعض الآخر كان أقسى..
ما بعد أخيراً...
اللَّهم اجعل آخر كلماتنا.. لا إله إلا الله محمد رسول الله..