سارة الشهري
يأتي شهر رمضان كل عام ليذكِّرنا بجوهر العبادة الحقيقي، فهو ليس امتناعاً عن الطعام والشراب فحسب، بل مدرسة متكاملة لتهذيب النفس، وضبط السلوك، ومراجعة العلاقة مع الله ومع الذات ومع الآخرين. نصوم عن الغضب، ونحاول الابتعاد عن الكذب والنفاق وسوء الظن، ونسعى لأن نكون أكثر صفاءً ورحمة. ومع تغيُّر نمط حياتنا في العصر الحديث، ظهرت حاجة جديدة لنوع مختلف من الصيام، صيام لا يقل أهمية عن غيره، وهو الصوم عن مواقع التواصل الاجتماعي.
أصبحت هذه المواقع جزءاً أساسياً من يومنا، نستيقظ على إشعاراتها، وننام بعد تصفحها، ونقيس أحياناً سعادتنا ونجاحنا بعدد الإعجابات والتعليقات. ومع أن لها جوانب إيجابية في التواصل ونقل المعرفة، إلا أن الإفراط في استخدامها يسرق منا أشياء ثمينة، الوقت، والتركيز، والسكينة، بل حتى صفاء القلب.
في رمضان، نحن مدعوون للتخفف، لا للتكديس، للتأمل، لا للتشتت. وهنا يأتي الصوم عن مواقع التواصل كفرصة عظيمة لإعادة ترتيب أولوياتنا. عندما نبتعد عن الهاتف لساعات، نكتشف كم من الوقت كان يضيع دون أن نشعر، وكم من طاقة ذهنية كانت تُستنزف في متابعة أخبار لا تنتهي، ومقارنات لا فائدة منها، وجدالات لا ثمرة لها.
الصوم عن هذه المواقع لا يعني الانعزال التام عن العالم، بل يعني الاستخدام الواعي والمحدود. يعني أن نختار لحظاتنا بدل أن تُفرض علينا. أن نستبدل التصفح العشوائي بقراءة القرآن، فنمنح أعيننا راحة، وقلوبنا نوراً، وأرواحنا طمأنينة. فالقرآن في رمضان ليس مجرد عادة، بل غذاء روحي يعيد للنفس توازنها، ويملأ الفراغ الذي اعتدنا أن نملأه بالشاشات.
كما أن الابتعاد عن مواقع التواصل يخفف من التوتر والغضب. كم من مرة أفسد منشور أو تعليق صيامنا دون أن نشعر؟ وكم من نقاشات حادة سرقت منا هدوءنا ونحن أحوج ما نكون إليه؟ الصيام الحقيقي يدعونا إلى حفظ اللسان والقلب، والصوم الرقمي يساعدنا على ذلك، لأنه يبعدنا عن مواطن الاستفزاز واللغو.
رمضان فرصة لمصالحة الذات. وعندما نبتعد عن الضجيج الإلكتروني، نسمع صوتنا الداخلي بوضوح أكبر. نجد وقتاً للتفكير، وللدعاء، وللجلوس مع العائلة دون مقاطعة إشعار، ودون نظرة متكررة إلى الشاشة. نعيش اللحظة كما هي، لا كما تُعرض عبر عدسة أو تُكتب في منشور.
في النهاية، الصوم عن مواقع التواصل الاجتماعي ليس حرماناً، بل تحرر. تحرر من الإدمان، ومن التشتت، ومن المقارنات المؤذية. وهو تدريب عملي على التحكم في النفس، وهو هدف أساسي من أهداف الصيام. فإذا كان رمضان شهر تهذيب النفوس، فإن الصوم الرقمي خطوة معاصرة تعيننا على بلوغ هذا التهذيب بوعي وصدق.