جانبي فروقة
نعيش اليوم عصر «الانفجار العظيم» للذكاء الاصطناعي AI حيث تبهرنا النماذج اللغوية الكبيرة (LLMs) بقدرتها الفائقة على توليد النصوص وتلخيص الأوراق البحثية، وحتى محاكاة المحادثات البشرية، لكن ورغم هذا البريق يدرك العلماء أن هناك فجوة إدراكية تفصل هذه الأنظمة عن الذكاء الحقيقي، فبينما يقرأ الذكاء الاصطناعي الحالي عن الجاذبية إلا أنه لا يشعر بسقوط الكرة مثلا، وبينما يتحدث عن التخطيط فهو لا يتخيل عواقب أفعاله في الواقع المادي.
واليوم يتجه العالم نحو جيل جديد يُعرف بنماذج العالم (World Models) وهي التقنية التي يراها الخبراء بمثابة العقل المدبر الذي سيسد الفجوات للنقاط العمياء في الأنظمة الحالية ويطور لنا الذكاء الاصطناعي العام (AGI).
كما أسفلنا ن نماذج اللغة الكبيرة (LLMs) قوية جدا في توليد النصوص أو تحليها لكنها تعاني نقاط عمياء تتعلق بفهم العالم الواقعي مثل الفيزياء والحركة والتأثيرات المكانية والتنبؤ بنتائج الأفعال في العالم الحقيقي والتخطيط الطويل الأجل أو اتخاذ قرارات فاعلة في بيئات معقدة وبمعنى آخر هي قوية في فهم النصوص والبيانات ولكنها ضعيفة في فهم التفاعلات الحقيقية بين الأشياء والحركات في العالم المادي لأنه لا يوجد لديها نموذج داخلي يحاكي ما يحدث في الواقع، وهنا بدأت تبرز أهمية نماذج العالم (World Models) ولفهم كيف تعمل هذه النماذج الجديدة تخيل معي الفرق بين شخص قرأ ألف كتاب عن قيادة الدراجات وشخص ركب الدراجة بالفعل وسقط وتعلم كيف يحافظ على توازنه، فالنماذج الحالية مثل تشات جي بي تي ChatGPT هي القارئ النهم وهي بارعة في الربط الإحصائي بين الكلمات، لكنها تفتقر إلى نموذج داخلي يفهم الفيزياء والحركة والسببية، وهنا تأتي نماذج العالم لأنها أنظمة ذكاء اصطناعي تهدف لبناء محاكاة داخلية للواقع فهي لا تكتفي بتوقع الكلمة التالية بل تتوقع الحدث التالي.
ونماذج العالم ستفهم الفيزياء والواقع بدلا من الاعتماد على النصوص وتتعلم كيف تتفاعل الأشياء في الفضاء المادي وستتيح التخطيط الطويل الأمد وتسمح للآلة بتخيل سيناريوهات مستقبلية واختبار نتائج الأفعال قبل تنفيذها (فكر ثم نفذ) وستقلل الهلوسة للذكاء الاصطناعي حيث سيصبح الذكاء الاصطناعي أقل عرضة لتوليد إجابات غير منطقية أو مستحيلة فيزيائيا وببساطة نحن سننتقل من ذكاء يستجيب للبيانات الماضية (قرأت عن العالم) إلى ذكاء يمتلك حاسة الاستبصار للمستقبل المحتمل (أفهم الآن كيف يعلم العالم). بدأ قطاع صناعة الدواء يجني ثمار الذكاء الاصطناعي وبسرعة مذهلة فتطوير دواء جديد هو عملية مقامرة مكلفة وباهظة الثمن حيث أن عملية التطوير كانت تحتاج من 10 إلى 15 سنة ويفشل عادة 9 من أصل كل 10 مركبات تدخل التجارب السريرية وبتكلفة قد تصل إلى مليارات الدولارات للدواء الواحد ولكن اليوم تدخلت أدوات الذكاء الاصطناعي لتمشيط البيانات البيولوجية وتحديد البروتينات المستهدفة واقتراح جزيئات جديدة تماماً.
وفي أكتوبر الماضي تعاونت NVIDIA مع شركة Eli Lilly لبناء حاسوب فائق مخصص لاكتشاف الأدوية والنتائج الأولية كانت مذهلة فالجزيئات المصممة بالذكاء الاصطناعي تحقق معدلات نجاح في تجارب السلامة المبكرة تصل إلى 80–90 % مقارنة بمتوسط تاريخي 40–65 %. وتقديرات McKinsey الجزيرة Company تشير إلى أن الذكاء الاصطناعي قد يضيف بين 60 و110 مليارات دولار سنويًا لصناعة الأدوية ولكن الأهم من الأرقام هو التحول المفاهيمي فلم يعد الاكتشاف يعتمد فقط على التجربة المخبرية بل على محاكاة بيولوجية داخلية أي “نموذج عالم” للجزيئات والخلايا وباتت اليوم شركات مثل Isomorphic Labs التابعة لـ Google DeepMind وNvidia تتسابق لتصميم جزيئات علاجية داخل الحاسوب مما يحول علم الأحياء من ساحة تجربة وخطأ إلى مسألة حسابية قابلة للحل.
قررت الصين تحديث جوهرة حضارتها في الطب التقليدي Traditional Chinese Medicine (TCM) (والذي يشمل ممارسات علاجية قديمة مثل الوخز بالإبر والعلاج بالأعشاب الصينية والحجامة والتدليك العلاجي وتمارين التاي شي وغيرها)؛ حيث لم يعد الوخز بالإبر مجرد ممارسة يدوية قديمة بل أصبح يتم عبر أجهزة تشبه القفازات يتم التحكم فيها بموجات الدماغ لمساعدة مرضى السكتة الدماغية وباتت العيادات الصينية تستخدم الذكاء الاصطناعي في التشخيص الرقمي وتحليل اللسان عبر تطبيقات بسيطة، مثل WeChat التي تتيح للمستخدمين تحميل صور ألسنتهم للحصول على نصائح غذائية مبنية على مبادئ الطب التقليدي، وتهدف الحكومة الصينية من خلال المصانع الذكية لتحويل إنتاج الأعشاب إلى عملية رقمية دقيقة لتقليل الهدر وضمان الجودة، وهذا الدمج بين الخوارزميات والطب التقليدي سيحل معضلة قديمة، وهي كيف تجعل الصين الطب التقليدي الموزع في آلاف الكتب القديمة وعقول الأطباء الكبار إلى معرفة موضوعية قابلة للقياس والتطوير وهنا فرصة ذهبية أيضا لاتباع نهج الصين وتسخير الخزارزميات في تطوير الطب العربي التقليدي.
إن دمج نماذج العالم مع القوة اللغوية سيضعنا على أعتاب تطوير نظام ذكاء اصطناعي هجين يملك العقل واللغة والخيال (المحاكاة) والتخطيط (اتخاذ القرار) وسيساعد في تحسين سلاسل الإمداد العالمية واكتشاف علاجات لأمراض مستعصية وهذا النظام سيطور لنا ذكاء يفهمنا ويفهم عالمنا ويرينا ما يمكن أن يحدث. والسؤال الذي سيحدد العقد القادم ليس هو هل يستطيع الذكاء الاصطناعي توليد نص أفضل؟ بل هل يستطيع أن يبني نموذجا داخليا للعالم ويختبر قراراته فيه قبل أن يؤثر على عالمنا الحقيقي؟ والإجابة هنا قد تحدد مستقبل الطب والاقتصاد وربما شكل الذكاء ذاته.
** **
- كاتب أمريكي