إبراهيم أبو عواد
تُعَدُّ قضية الإحداثيات البحرية وترسيم الحدود من أكثر القضايا حساسية في العلاقات الدولية، لأنها ترتبط مُباشرة بمفهوم السيادة وحقوقِ الدولة في أرضها ومياهها الإقليمية. وفي منطقة الخليج العربي، شكَّلت هذه القضية أحد العناوين البارزة في العلاقة بين العراق والكويت.
السيادة في القانون الدولي ليست مُجرَّد شعار سياسي، بل هي مبدأ قانوني راسخ يقوم على احترام الحدود المُعترَف بها دوليًّا، سواءٌ كانتْ برية أَمْ بحرية. والإحداثيات البحرية ليست خطوطًا عشوائية، بَلْ تُحدَّد وفق قواعد قانون البحار والاتفاقيات الدولية، لضمان وضوح المجال البحري لكل دولة، ومنعِ التداخل أو النزاع.
حين أقدمَ النظام العراقي السابق بقيادة صدام حسين على غزو الكويت عام 1990، لم يكن ذلك مُجرَّد خلاف حدودي قابل للتفاوض، بل كان انتهاكًا صريحًا لمبدأ سيادة الدولة، ومُحاولة لفرض أمر واقع بالقوة. وقد مثَّل هذا الغزو خرقًا واضحًا لميثاق الأمم المتحدة، الذي يُحرِّم استخدامَ القوة ضد سلامة أراضي أيَّة دولة أو استقلالها السياسي.
بعد تحرير الكويت في عام 1991، اضطلع مجلس الأمن بدور أساسي في تثبيت الحدود الدولية بين البلدين، بما في ذلك ترسيم الحدود البحرية وفق أسس قانونية واضحة. وقد جاء هذا الإجراء في إطار تثبيت الاستقرار الإقليمي، ومنع تكرار النزاعات، وترسيخ مبدأ أن الحدود لا تُغيَّر بالقوة، بل عبر الآليات القانونية المُعترَف بها دوليًّا.
الإحداثيات البحرية لا تُمثِّل فقط حدودًا جُغرافية، بل تعكس حقَّ الدولة في إدارة مواردها البحرية، وحمايةِ أمنها وموانئها وممراتها الملاحية. وأي مساس بها يُعَدُّ مساسًا مباشرًا بالسيادة. ومن هُنا، فإنَّ الغزو العراقي للكويت لم يكن مُجرَّد تحرك عسكري عابر، بَلْ مَسَّ جوهر الدولة، وكيانها القانوني.
ومع أن العلاقات بين العراق والكويت شهدتْ لاحقًا مسارًا نحو التهدئة، وإعادة بناء الثقة، إلا أن تجربة الغزو وما تبعها من ترتيبات دولية أكَّدت درسًا مهمًّا في السياسة الدولية، وهو أن احترام الإحداثيات والحدود ليس خيارًا سياسيًّا فَحَسْب، بَلْ أيضًا التزام قانوني وأخلاقي يحفظ الاستقرار، ويمنع الانزلاق إلى الفوضى.
إن معالجة القضايا الحدودية، برية كانتْ أَمْ بحرية، يجب أن تتم عبر الحوار والقانون الدولي والمُؤسَّسات الشرعية، لا عبر القوة، أو فرض الأمر الواقع. فالدول الصغيرة والكبيرة على السواء، تتساوى في حقها في السيادة، وأي إخلال بهذا المبدأ يُهدِّد منظومة الأمن الإقليمي والدولي بأسره.
وقضية الإحداثيات البحرية بين العراق والكويت تُمثِّل مثالًا واضحًا على أهمية وضوح الحدود، واحترامها، وضرورة تحقيق الاستقرار باحترام السيادة، والالتزام بالقانون الدولي، وتغليب منطق الدولة على منطق القوة.
** **
- كاتب أردني