صالح الشادي
لا يختلف اثنان على جاذبية هذا العنوان. خمس كلمات تحمل وعداً لا يقاوم، تلمع كالذهب في واجهات المكتبات، وتتصدر نتائج البحث في غوغل، وتتسابق قنوات اليوتيوب لتقديمها في فيديوهات لا تتجاوز العشر دقائق. لكن السؤال الذي لا يطرحه أحد: هل قرأ أحد هؤلاء المليونيرات كتاباً واحداً ليتعلم كيف يصبح مليونيرا؟
منذ عقود، وهذه العناوين البراقة تملأ الفضاء الثقافي. تغيرت الأغلفة، وتعددت اللغات، وانتقلنا من الورق إلى البكسل، ومن المكتبات إلى محركات البحث، ثم إلى الذكاء الاصطناعي الذي صار مستشاراً ومعلمًا ومرشدًا. لكن الخدعة لم تتغير. ما كان يُباع بالأمس على أنه «كتاب النجاح في عشرة أيام»، يُباع اليوم على أنه «برومبت ذكي» يمنحك خطة الثراء في سبع خطوات. الوسائل تطورت، والجوهر بقي نفسه: بيع الوهم لمن سئم الانتظار.
الإنسان بفطرته يملك عقلاً، وديناً، وأخلاقاً، ومجتمعاً، وقدرة على المقارنة والتمييز. لكنه في لحظة ضعف، يتوق إلى المعجزة. يريد أن يصبح مليونيرا في أسبوع. يريد أن يتقن الإنجليزية في شهر. يريد أن يكون طاهياً ماهراً في يوم واحد. وهناك دائماً من هو مستعد ليبيع له هذا الحلم، مطبوعاً على ورق لامع، أو مكتوباً بكلمات أنيقة منسقة، يصنعها ذكاء لا يشعر ولا يدرك.
دعنا نخرج قليلاً من فخ العناوين، ونسأل أنفسنا: كيف صار أولئك الذين نسميهم مليونيرات، مليونيرات فعلًا؟ هل قرأوا كتاباً؟ ربما. لكنهم لم يصبحوا مليونيرات لأنهم قرأوه. لقد أمضوا سنوات في التجربة والخطأ. خسروا مراراً، ثم تعلموا. اختبروا الأفكار في السوق، ليس في غرفة مغلقة. تعاملوا مع البشر، مع العملاء، مع المنافسين، مع الفشل نفسه.
بنوا شيئاً صغيراً جداً، ثم وسعوه، ثم هدموه، ثم أعادوا بناءه. تعبوا. ملّوا. ناموا باكراً واستيقظوا باكراً آلاف المرات. وكل هذا لا يمكن اختزاله في اثنتي عشرة قاعدة ذهبية.
الثراء الحقيقي ليس حدثاً، إنه تراكم. تراكم للمعرفة، للعلاقات، للخبرات، للأخطاء، للصبر. وهذا التراكم لا يُختزل في كتاب، ولا في دورة، ولا في استشارة ذكاء اصطناعي.
اللافت أن الإنسان عندما يريد أن يتعلم الطب، يدرس سبع سنوات. عندما يريد أن يصبح مهندساً، يقضي خمس سنوات في الجامعة، وسنوات أخرى في التدريب. لكنه عندما يريد أن يصبح مليونيرا، يبحث عن كتاب يقرؤه في ليلة. هذه المفارقة تخبرنا شيئاً عميقاً عن نظرتنا إلى المال والنجاح. نظنها مسألة حظ، أو خدعة ذكية، أو سرا يخفيه الأغنياء عنّا.
لكن السر الحقيقي بسيط جداً لدرجة أنه لا يبدو كسر: لا يوجد سر. ما يوجد هو: عمل متقن لسنوات، تعلم من الخبرات الميدانية لا من الكتب النظرية، خطأ ثم تصحيح ثم خطأ آخر ثم تصحيح آخر، صبر على نتائج لا تأتي في الأسبوع الأول ولا في الشهر العاشر، علاقات إنسانية تُبنى بالثقة لا بالاستغلال، قيمة حقيقية تُقدَّم للناس في مقابل مال حقيقي يُدفع عن قناعة. هذه هي المليونيرية. وهي لا تشبه العناوين البراقة إطلاقاً.
لا يعني هذا أن نحرق المكتبات، أو نغلق غوغل، أو نقاطع الذكاء الاصطناعي. لكنه يعني أن نعرف كيف نقرأ، ولماذا. الكتب التي تعلّمنا التفكير، لا التي تقدّم لنا الوصفات. الكتب التي تجعلنا أكثر وعياً بالعالم والناس، لا التي تعدنا بتغيير حياتنا في عشرة أيام. الكتب التي تزرع فينا الأسئلة، لا التي تحشر في أذهاننا الإجابات الجاهزة. العودة إلى العمق الديني، إلى تراكم التجارب البشرية، إلى الفلسفة والأدب والتاريخ، إلى سير العلماء والمفكرين والمبدعين الحقيقيين.
هذه هي القراءة التي تصنع إنساناً واعياً، قادراً على صنع ثروته الحقيقية، المادية والمعنوية، بيديه، لا بيد كاتب يبيع حلماً على رف مكتبة.
لن يصنعك مليونيرا كتاب اشتريته اليوم ونسيته غداً. لن يصنعك مليونيرا سؤال وجّهته للذكاء الاصطناعي واستلمت إجابة منمقة. من يصنعك مليونيرا هو: أن تذهب إلى السوق، وأن تخاطر، وأن تفشل، وأن تنهض، وأن تتعلم، وأن تجرب مجدداً، وأن تصبر، وأن تبني شيئاً بيديك، عاماً بعد عام. هذا الطريق لا يُكتب في عناوين براقة. لكنه الطريق الوحيد الذي أوصل كل من وصل حقاً.
فاختر لنفسك. إما سراب العناوين الذي لا يروي ظمأً، أو طريقاً طويلاً يقودك إلى حيث تريد، خطوة بخطوة، وعرقاً بعرق، ويقيناً بأن الأمنيات لا تُدرك بالقراءة وحدها، بل بالعمل الذي يصدقها.