إبراهيم بن يوسف المالك
في عالم التحولات الرقمية، أصبحت بطاقات الدفع أكثر من مجرد وسيلة للشراء؛ إنها امتداد مباشر لحياتنا المالية اليومية. ومع تزايد الخدمات الإلكترونية وتوسع نطاق الدفع عبر الإنترنت، أصبحت تفاصيل كشوف الحساب البنكي تحمل رسائل مهمة قد يتجاهلها كثيرون.
قبل أيام، مررت بتجربة بسيطة ظاهريًا لكنها عميقة في معناها. ظهرت على بطاقتي عملية صغيرة جدًا، أقل من ريال واحد. مبلغ قد يراه البعض غير جدير بالاهتمام، خاصة أمام الالتزامات المالية الأكبر. لكن تلك “الهللة” أعادت إلى ذهني مواقف عديدة من فترة عملي في القطاع البنكي، وتحديدًا خلال مشاركتي في لجنة التوعية الإعلامية للبنوك السعودية، حيث رأيت نماذج متكررة لعمليات احتيال تبدأ بهذا الشكل تمامًا… صغيرة، غير لافتة، لكنها تحمل إشارات خطورة عالية.
في الواقع، يبدأ المحتالون غالبًا بما يُعرف عالميًا بمفهوم Micro-Charges Fraud أي “الاختبارات المالية الصغيرة”. هذه العمليات لا تهدف إلى سرقة مبالغ كبيرة من البداية، بل إلى اختبار أمور محددة بدقة:
1. هل البطاقة فعّالة ويمكن استخدامها؟
2. هل نظام كشف الاحتيال لدى البنك سيوقف المعاملة الصغيرة؟
3. هل صاحب البطاقة يتابع حسابه أم لا؟
4. هل هناك نمط استخدام يجعل العميل يتجاهل هذه التفاصيل الصغيرة؟
هذه الأسئلة الأولية تساعد المحتال على تكوين صورة واضحة:
إذا مرّت العملية الصغيرة بنجاح دون اعتراض أو إيقاف… تبدأ المرحلة التالية، وهي تمرير معاملات أكبر وربما متكررة.
كثيرون يعتقدون أن الاحتيال المالي يأتي دائمًا بشكل واضح وصادم؛ عملية كبيرة تُسحب من الحساب دفعة واحدة. لكن الحقيقة أن الجرائم المالية الذكية نادرًا ما تبدأ بهذه الطريقة. المحتال المحترف يعرف أن “الاختبار الصغير” هو المفتاح إلى “الضربة الكبيرة”. وقد شهدت بنفسي حالات لعملاء لم ينتبهوا لعمليات صغيرة لا تتجاوز الهللات، لتظهر بعد أسابيع أو شهور معاملات كبيرة لم تكن لهم أساسًا.
ولعلّ إحدى مشكلات الوعي المالي اليوم هي أن كثيرًا من المستخدمين ينظرون إلى كشف الحساب نظرة عامة وسريعة، يبحثون فيها عن المصروفات الكبيرة أو الدفعات المتكررة. لكنّ التفاصيل الصغيرة -تحديدًا- هي التي تختبر يقظة العميل وقدرته على حماية حسابه.
هناك أيضًا جانب آخر يجب التوقف عنده: الإجراءات البنكية. بعض العملاء عندما يتواصلون مع البنك حول عملية صغيرة، قد يواجهون تفسيرات بسيطة أو تطمينات مبدئية، خصوصًا إذا كانت العملية “معلّقة” أو “غير مكتملة”. لكن ما يجب على كل عميل معرفته هو أن أي عملية غير مصرح بها -مهما كان حجمها- تستحق فتح بلاغ نزاع رسمي. وهذا الإجراء ليس خيارًا، بل جزء من الالتزام الذي تفرضه اللوائح المنظمة على البنوك لحماية العملاء.
في لحظة تجربتي الأخيرة، رأيت الفارق بين تجربتي القديمة كتنفيذي بنكي، وتجربتي الحالية كعميل. من داخل القطاع، تبدو الأمور واضحة وممنهجة؛ أنظمة، سياسات، إجراءات، نظم مراقبة، وفرق لمكافحة الاحتيال. لكن من الخارج، قد تبدو الصورة أكثر تعقيدًا، وتحتاج إلى وعي وثقة وتصرّف سريع.
من هنا، تأتي الرسالة الأهم:
الوعي المالي لا يتعلق فقط بالقرارات الكبيرة، ولا بالاستثمارات ولا بقراءة العقود الطويلة. الوعي يبدأ من أبسط التفاصيل… من هللة واحدة قد تكون مؤشرًا لتصرف غير طبيعي.
لحماية أنفسنا، يجب:
• فحص كشوف الحساب بانتظام.
• عدم تجاهل أي معاملة غير معروفة حتى لو كانت صغيرة.
• معرفة الإجراءات الصحيحة لطلب الاعتراض.
• الإصرار على حقوق العميل عند التعامل مع البنوك.
• وعدم التردد في طلب المساعدة أو الاستفسار.
اليوم، ونحن نعيش في بيئة مالية رقمية مفتوحة على العالم، يصبح الوعي جزءًا لا يتجزأ من الأمان الشخصي. وإذا كانت التقنية قد جعلت حياتنا أسهل، فهي في الوقت ذاته جعلت مسؤوليتنا أكبر تجاه متابعة تفاصيلنا المالية.
الاحتيال الكبير لا يبدأ كبيرًا…
بل يبدأ صغيرًا جدًا.
أصغر مما نتخيل.
ولهذا، يجب ألا نغفل عن التفاصيل التي تبدو بلا قيمة، لأنها -أحيانًا- تحمل أكبر القيمة.