د. علي القحيص
كثيرة هي المواقف المتنوعة الطريفة الساخرة للملوك والرؤساء والأمراء والشيوخ وأصحاب القرار مع المواطنين البسطاء أبناء جلدتهم من الشعب الذي يحكمونه، وهذه بعض منها:
* يقول رئيس وزراء المملكة المتحدة (تشرشل).
ركِبت سيارة الأُجرة يوماً مُتجِهاً إلى مكتب (البي بي سي) لإجراء مُقابلة تلفزيونية مهمّة، وعِندما وصلت إلى المحطّة في الموعد المحدّد طلبت مِن سائق التكسي أن ينتظرني أربعين دقيقة كي أعود إلى المنزل بعد إلقاء الخطاب .
لكنّ السائق اعتذر، وقال لي: لا أستطيع، يا سيدي، عذرًا؛ حيثُ عليّ الذهاب إلى البيت لأستمع إلى خِطاب «ونستون تشرشل» المهمّ لنا وللعالم في هذه المرحلة.
* يقول (تشرشل):
لقد استغربت، وذُهِلت، وفرِحت في آن واحد مِن إعجاب هذا الرجل، ليسمع حديثي المهمّ إذا كان صادقًا، فأخرجت عشرة جُنيهات، وأعطيتها له دون أن أُفصح له عمّن أكون أنا تقديرًا لمشاعره ووطنيته وإعجابه بي، وهو لا يعرفني.
عندما رأى المبلغ قال لي سأنتظرك ساعات حتى تعود، يا سيدي، وليذهب «تشرشل» إلى الجحيم هو وخطابه الذي لا ينفعني.
* وللناس فيما يعشقون مذاهب، وللنقود رغبة لا تقاوم، وقيل إنّ الفلوس تغيّر النفوس.
أمّا الرئيس العراقي الراحل صدام حسين (1937- 2006)، فذات يوم أخذ دورًا في الطابور أمام الفرن، وكان ملثّمًا متنكّرًا، وأعطاه الفران رغيفًا من الخبز مقابل مبلغ من المال، ولمّا رأى صدام حسين رغيف الخبز صغيرًّا جدًّا، أصغر من قيمة المبلغ المدفوع، وشاهد الخباز يضع صورة الرئيس نفسه على أكبر جدار للخباز من الداخل بمساحة شاسعة، قال للخباز: يا مواطن، يا صالح (ممكن تصغّر صورتي، وتكبّر الرغيف مرة ثانية)؟
* أمّا الرئيس الكردي العراق الراحل جلال طلباني (1933- 2017)،
فعندما كان رئيسًا للعراق، ذهب يتمشّى في أحد المتنزهات في جبال كردستان العراق الجميلة، شاهد رجلًا كبير السنّ يجلس على سفح الجبل، يتناول الكحول وحده، فقال له ممكن أجلس معك بهذه الجلسة الجميلة، يا عمّ؟ فقال الرجل المسنّ: من أنت حتى تجلس معي يا هذا؟ فقال له أنا رئيسكم الجديد جلال الطالباني، فردّ الرجل المخمور مستهزئًا: لا إذن البيك الثاني ممكن تصير صدام حسين».!
هذا الحكاية المضحكة يرويها الرئيس الراحل جلال الطالباني نفسه، لأنّه صاحب دم خفيف، وهو يصنع النكتة حتى لو ضدّ نفسه بشكل ساخر. وعندما مرض، وأخذوا له أشعّة مقطعية لرأسه، وأتاه زوار سياسيون من أصدقائه من وزرائه العراقيين، أشار إلى الأشعّة حيث يظهر رأسه كبيرًا جدًّا في الصورة، فقال لزواره: عجيب غريب أنتم وضعكم، يا العراقيين، لا يعجبكم العجب، ولا الصيام برجب. تصيحون، وتقولون: جلال طلباني «ما عنده مخ، إذن هاي شنهو هذا الدماغ الكبير»؟
* أمّا الملك حسين، فقد قام الأمن الأردني، واعتقل شابًّا شتم الملك بدون سبب، فاتصل الملك بمدير الأمن، وقال: أطلقوا سراح الشاب، لأنّ قضيته انتهت (شتمناه مثلما شتمنا)، وانتهى الموضوع.
* أمّا الرئيس العراقي الراحل عبد الرحمن عارف (1916 - 2007)،الذي كان زاهدًا وهادئًا لا يبالي بالسلطة، ولذلك خسرها، وكان منفيًّا في تركيا بعد الانقلاب عليه، وعندما حكم صدام حسين العراق، أعفى عنه، ودعاه إلى العودة إلى العراق، ووفّر له سكنًا وسيارة وحماية، وحين كرم من قبل القيادة بالعراق في بغداد، وكان من ضمن المكرّمين فنانون (مطربون)، أحد الحضور في الحفل، سأل عبدالرحمن عارف، قال: ممكن أتعرّف عليك، أنا لا أعرفك من قبل، أول مرة أشوفك، فقال له عبد الرحمن عارف: «أنا الطبال مال المطرب كاظم الساهر».!
في إشارة أنّ القدم أهمّ من القلم، والطبل أهمّ من العقل، والناس أصبحوا يسمعون بأرجلهم لا بأذهانهم؟
وَتِلْكَ الأيَّامُ نُدَاوِلُهَا بَيْنَ النَّاسِ !