د. هبة توفيق أبو عيادة
يأتي رمضان كل عام كنسمةٍ ربانيةٍ تعيد ترتيب الفوضى في الداخل قبل الخارج، ويوقظ في الروح ما أثقلته العادة وأطفأته الغفلة. غير أن المفارقة المؤلمة أننا نتعامل مع هذا الشهر العظيم وكأنه شهر، فنؤجّل فيه التوبة، ونؤخّر فيه الإنجاز، ونقول: ما زال في الشهر متّسع. لكن الحقيقة الصارخة أن رمضان قصير، قصيرٌ حدَّ الدهشة، يمرّ كطيفٍ سريع، وما إن نتعوّد على أجوائه حتى يلوّح مودّعًا. لذلك فإن التقصير فيه ليس مجرد هفوة عابرة، بل خسارةٌ لا يعوّضها عامٌ كامل.
لقد كان نبينا القائد القدوة صلى الله عليه وسلم يبشّر أصحابه بقدوم رمضان، وكأنهم على موعدٍ مع فرصةٍ استثنائية، لا تتكرّر إلا مرةً في العام، وربما لا تتكرّر في العمر. فكم من أناسٍ كانوا معنا في رمضان الماضي، وغابوا هذا العام تحت التراب! وكم من أمنياتٍ كنّا نظنّ أننا سننجزها، فحال بيننا وبينها الأجل أو العجز! إن إدراك قِصَر الشهر ليس دعوةً للقلق، بل هو استنفارٌ للهمّة؛ لأن من يعرف قيمة الزمن لا يسمح له أن يتسرّب من بين يديه بلا أثر.
رمضان ليس ثلاثين يومًا فحسب، بل هو ثلاثون فرصةً متتالية للارتقاء، وثلاثون محطةً للتزكية، وثلاثون نافذةً مفتوحة على المغفرة. فيه تتنزّل الرحمات، وتُصفَّد الشياطين، وتُضاعف الحسنات، وتُفتح أبواب الجنان. وفيه ليلةٌ واحدةٌ خيرٌ من ألف شهر، ليلةٌ لو أدركها العبد بصدقٍ غيّرت مسار عمره كلّه. فإذا كان هذا هو العطاء، فكيف نبرّر لأنفسنا التقصير؟ وكيف نسمح لأنفسنا أن نبدّد الساعات في تفاصيل صغيرة، أو جدالات فارغة، أو انشغالٍ مفرطٍ بما لا يبقى؟
المشكلة ليست في قِصَر الشهر، بل في طول الغفلة. نحن لا نخسر رمضان لأنه سريع، بل لأننا نستهلكه بلا وعي. نستقبل أوّله بالحماسة، ثم نفتر في منتصفه، ثم ننشغل في آخره بالتحضيرات والزيارات والعلاقات الاجتماعية التي تسرق منا جوهره. وكأننا اعتدنا أن نجعل البداية قوية، والنهاية باهتة، مع أن العبرة بالخواتيم.
إن من الفقه الحقيقي أن نحسن إدارة طاقتنا الروحية، فنوزّعها على أيام الشهر بعدلٍ واتزان، فلا نُفرغ مخزوننا في الأيام الأولى، ولا نُؤجّل العطاء إلى ليلةٍ نظنّ أننا سندركها.
رمضان قصير لأنه موسمٌ مكثّف، لا يحتمل التراخي. هو أشبه بسباقٍ محدود الزمن، من أراد أن يصل فيه إلى خطّ النهاية مرفوع الرأس، فعليه أن ينطلق منذ اللحظة الأولى. والسباق هنا ليس بين الناس، بل بينك وبين نفسك: بين ما كنت عليه قبل رمضان، وما ينبغي أن تكون عليه بعده. فإن خرجت منه كما دخلت، فقد فوّتَّ فرصةً ثمينة. وإن خرجت منه أقلّ من بدايتك، فقد خسرت خسارةً مضاعفة. أما إن خرجت منه وقد تغيّر فيك شيءٌ حقيقي، ولو كان صغيرًا، فقد ربحت ربحًا عظيمًا.
إن التقصير في رمضان لا يُقاس بعدد الصفحات التي لم تُقرأ، ولا بعدد الركعات التي لم تُصلَّ فقط، بل يُقاس بما فات من حضور القلب. قد يقرأ الإنسان كثيرًا بلا تدبّر، ويصلّي طويلًا بلا خشوع، ويصوم يومه عن الطعام والشراب، لكنه لا يصوم عن الغفلة واللغو وسوء الخلق. لذلك فإن أول ما ينبغي أن نستحضره هو المعنى، لا المظهر؛ الجوهر، لا الشكل. فشهرٌ واحدٌ بصدقٍ عميقٍ خيرٌ من أعوامٍ طويلةٍ بعادةٍ باردة.
وربما كان أعظم ما يذكّرنا بقِصَر رمضان أنه يعلّمنا الاقتصاد في العمر كله. فإذا تعلّمنا في ثلاثين يومًا كيف نضبط ألسنتنا، ونخفّف شهواتنا، ونرتّب أولوياتنا، ونمنح أوقاتنا معنى، فقد تعلّمنا درس الحياة بأكملها. إن من يحسن استثمار رمضان، يحسن غالبًا استثمار بقية العام؛ لأنه أدرك أن الزمن رأس ماله الحقيقي، وأن التفريط فيه هو الخسارة الكبرى.
ولعل أخطر أشكال التقصير هو أن نحصر رمضان في طقوسٍ ظاهرية، ونغفل رسالته التربوية وشعائره الدينية.
رمضان ليس شهر الجوع، بل شهر الوعي. ليس شهر الامتناع فقط، بل شهر الامتلاء بالله. ليس شهر الانقطاع عن الطعام، بل شهر الاتصال بالسماء. فإذا لم يزدنا قربًا، ولم يعمّق فينا المراقبة، ولم يربّ فينا خلقًا أسمى، فماذا بقي منه؟ إن اختزال الشهر في موائد عامرة وسهراتٍ طويلة هو نوعٌ من الهروب من معناه الحقيقي، وكأننا نزيّن الإطار وننسى اللوحة.
رمضان قصير، نعم، لكنه كافٍ لإحداث تحولٍ صادق. كافٍ لتجديد نية، وتصحيح مسار، وإغلاق بابٍ من المعصية، وفتح بابٍ من الطاعة. كافٍ لتعويد النفس على عادةٍ حسنةٍ تبقى بعده، وعلى ترك عادةٍ سيئةٍ لا نعود إليها. لا يُطلب منا أن نصبح ملائكة، بل أن نخطو خطوةً حقيقيةً إلى الأمام. والخطوة الصغيرة المتكرّرة قد تغيّر مصيرًا كاملًا.
فليكن شعارنا هذا العام: لا تأجيل في رمضان. لا تسويف في التوبة. لا تهاون في الوقت. إذا خطر في بالك خيرٌ فافعله، وإذا ناداك قلبك إلى صلاةٍ فاستجب، وإذا شعرت بندمٍ على تقصيرٍ فبادر بالرجوع.
فالشهر يمضي سريعًا، وربما لا نُدرك رمضان القادم. إن استشعار هذه الحقيقة لا يصنع فينا خوفًا سلبيًا، بل يصنع يقظةً إيجابية، تجعل كل يومٍ من أيامه عزيزًا، وكل ساعةٍ فيه غالية.
رمضان قصير لا يحتمل التقصير، لأنه فرصةٌ مركّزة، وزمنٌ مضاعف القيمة، وموسمٌ ربانيٌّ لا يشبه غيره. فمن أحسن استقباله وعاشه بوعيٍ وصدق، خرج منه بقلبٍ أنقى، وروحٍ أصفى، وعزمٍ أقوى. ومن فرّط فيه، فلن ينفعه الندم بعد انقضائه. فلنحسن اغتنامه، ولنجعله نقطة تحوّلٍ لا محطة عابرة، ولنتذكّر دائمًا أن الأيام تمضي، لكن آثارها فينا تبقى.