عمرو أبوالعطا
في عام 1936م، لم يكن الشاب البريطاني آلان تورينغ مشهورًا إلا في أوساط الرياضيات. لكن ورقته العلمية في ذلك العام كانت بمثابة الشرارة التي أزاحت الستار عن عالم جديد. تمامًا.. لقد طرح تورينغ فكرة آلة غير مرئية أو ملموسة، تُبنى في العقل وتعمل وفق خطوات رياضية دقيقة، هذه الآلة، التي سمّاها «آلة تورينغ»، أصبحت حجر الزاوية لكل حاسوب نعرفه اليوم.
فكرة تورينغ لم تأت من فراغ؛ جاءت استجابةً لمسألة طرحها كورت غودل عام 1931م، محتواها أن هناك حقائق لا يمكن إثباتها داخل أي نظام رياضي منسق. لكن بعد خمس سنوات، جاء تورينغ ليقدم حلًا لهذا القلق المنطقي، بابتكاره نموذجًا يُجسد كل عملية حسابية ممكنة، مهما بلغت تعقيدها.
هذه «الآلة الشاملة» ليست آلة بالمعنى الصناعي، هي جهاز عقلي قادر على محاكاة أي آلة أخرى عبر قراءة وكتابة الرموز على شريط لا ينتهي.
مع اندلاع الحرب العالمية الثانية عام 1939م، وجد تورينغ نفسه في بلتشلي بارك، وقدم أحد أعظم إسهاماته العملية من فك شيفرة «إنجما» النازية. هذا الإنجاز لم يقتصر على خدمة عسكرية، بل كان الخطوة الأولى لتحويل الآلة النظرية إلى واقع مادي. بعد نهاية الحرب في عام 1945م، بدأت جهود حثيثة لبناء الحواسيب الإلكترونية.
على الرغم من وجود مشاريع رائدة سابقة مثل ENIAC في الولايات المتحدة، كان EDSAC في إنجلترا (الذي اكتمل عام 1949م) أول حاسوب إلكتروني تشغيلي يخزّن البرامج بالكامل، متأثرًا بشكل كبير بأفكار تورينغ.
في عام 1950م، نشر تورينغ مقالته الشهيرة «آلات الحوسبة والذكاء»، واقترح اختبارًا بسيطًا عبر المحادثة لمعرفة ما إذا كانت الآلة ذكية بدرجة يصعب معها التمييز بينها وبين الإنسان. لم ينفذ الاختبار وقتها لعدم توفر حواسيب بهذا المستوى، لكن المقالة ظلت مرجعًا لكل نقاش فلسفي وعلمي لاحق حول الذكاء الاصطناعي.
بعد تورينغ، جاء الأمريكي جون مكارثي الذي ابتكر مصطلح «الذكاء الاصطناعي» عام 1956م، خلال مؤتمر في دارتموث. هذا المؤتمر وضع الخطوط الأولى لأبحاث امتدت عقودًا، وظهر فيه باحثون مثل آل نيول وسيمون ومارفن مينسكي، الذين صنعوا برامج أولية للبرهان الرياضي ولعب الشطرنج. لم تكن هذه الآلات ذكية بالمعنى الكامل، لكنها فتحت آفاقًا جديدة.
في أواخر الستينيات، انطلقت مشاريع طموحة في معهد ستانفورد ومعهد ماساتشوستس للتقنية (MIT)، وظهرت نظم الخبراء التي تحاكي بعض مجالات التفكير البشري، وبدأت خوارزميات التعلم في الظهور. جاء عقد الثمانينيات ليشهد تراجعًا نسبيًا، ووُصِف الذكاء الاصطناعي بـ»الشتاء البارد» بسبب عدم تحقق الآمال الكبيرة. بقيت الفكرة حية، واستمر العمل بهدوء.
في عام 1986م، نشر جيفري هينتون ورقة مفصلية حول «الشبكات العصبية»، وأعاد الاعتبار لفكرة التعلم من البيانات. وفي أوائل الألفية، بدأت ثورة جديدة مدعومة بالحوسبة الضخمة والبيانات الهائلة. ثم في العقد الثاني من القرن، أسس إيلون ماسك وسام ألتمان شركة «أوبن إيه آي « عام 2015. وفي عام 2017، قدمت شركة «جوجل ديب مايند « نموذج «ألفا زيرو « الذي تعلّم لعب الشطرنج دون بيانات مسبقة وأدهش الجميع.
بحلول عام 2022م، أطلقت «أوبن إيه آي» نظام «تشات جي بي تي»، فدخل الذكاء الاصطناعي مرحلة جديدة. تجاوز الأمر الآلات الصامتة، وأصبح يشمل أدوات تحاور، تكتب، تحلل، وتفهم اللغة كما يستخدمها البشر. تبعتها نماذج متقدمة من «ميتا» و»أنثروبيك» و»جوجل»، حتى صار الذكاء الاصطناعي جزءًا من حياة الملايين.
مع تطور الأدوات، تطورت التصورات. ظهرت فلسفة «ما بعد الإنسان» التي عمل عليها مفكرون مثل نيك بوستروم، الذي حذر من الذكاء الخارق في كتابه «الذكاء الخارق: المسارات، المخاطر، والاستراتيجيات» عام 2014م. كما كتب ريموند كرزويل عن «التفرّد التكنولوجي»، متحدثًا عن لحظة اندماج الإنسان بالآلة، والتي قد تحدث، حسب تقديره، في أربعينيات هذا القرن.
الحديث عن «التفرّد التكنولوجي» يقودنا إلى مفهوم أعمق وأكثر إثارة للجدل، وهو الترانسهيومان (Transhumanism). هذه الفلسفة تفترض أن البشرية في مرحلة انتقالية، وأن التكنولوجيا ستسمح لنا بتجاوز قيودنا البيولوجية والفكرية الحالية. لم يعد الأمر مجرد حلم مستقبلي، بل ميدان عملي يشهد تطورات متسارعة.
يعمل باحثون مثل هيو هير في معهد MIT على تطوير أطراف ذكية لاستبدال أجزاء الجسد التالفة، بينما يركز أفراد مثل براين جونسون على «التحسين البيولوجي» الشامل، والذي قد يشمل على المدى البعيد أجهزة توصيل دماغية. بدأت الشركات في كاليفورنيا والصين بتجريب واجهات دماغية حاسوبية تُزرع داخل الرأس.هذه التقنيات، التي كانت تُعد خيالًا علميًا، أصبحت واقعًا يتسابق على تطويره الجميع، كطموح يتجاوز القدرات البشرية الطبيعية.
تعتبر واجهات الدماغ الحاسوبية (BCI) ركيزة أساسية لمفهوم الترانسهيومان، وتهدف إلى إقامة اتصال مباشر بين الدماغ البشري وجهاز خارجي. في عام 2020م، أعلن إيلون ماسك عن شركته «نيورالينك»، التي تعمل على تطوير شرائح دماغية للاتصال المباشر بالدماغ البشري بهدف علاج الأمراض العصبية، ثم تعزيز القدرات البشرية.
الاهتمام لا يقتصر على الدماغ؛ فالطموح يمتد ليشمل الجهاز العصبي بأكمله، بما في ذلك النخاع الشوكي الصناعي.
هذا المجال البحثي الناشئ يهدف إلى تطوير بدائل صناعية للنخاع الشوكي التالف. وفي السنوات الأخيرة، شهدنا تقدمًا في الأبحاث التي تستخدم الغرسات الإلكترونية والواجهات العصبية لإعادة توصيل الإشارات العصبية.
ففي عام 2023م، أعلنت فرق بحثية في سويسرا والولايات المتحدة عن نجاح تجارب أولية لزراعة أجهزة تحفيز كهربائي في النخاع الشوكي لمرضى يعانون من الشلل، مما مكنهم من استعادة بعض القدرة على الحركة.
هذه التقنيات تعمل على تجاوز تلف النخاع الشوكي عبر مسارات صناعية أو عن طريق تحفيز الخلايا العصبية المتبقية، مما يعيد الأمل لملايين الأشخاص حول العالم. تخيل عالمًا يتمكن فيه المصابون بالشلل من التحكم في أطراف صناعية بأفكارهم، أو يمكننا من التواصل مع الآلات بسرعة تفوق قدرتنا الحالية.
هذا ليس مجرد خيال، هو مجال بحث نشط يشمل العديد من الشركات الناشئة والمختبرات البحثية حول العالم، بما في ذلك مراكز بحثية في الصين تستكشف تطبيقات BCI في التعليم والتحكم بالطائرات بدون طيار.
مع هذا التوسع، ظهرت المخاوف. وأشارت تقارير الأمم المتحدة عن الحاجة إلى تنظيم عالمي. حذر يوفال نوح هراري من تحول الإنسان إلى مجرد عنصر في منظومة بيانات ضخمة في كتبه مثل «دروس للقرن الحادي والعشرين» عام 2018م. وناقش إيمانويل كانط منذ قرون حدود الإرادة الأخلاقية في أعماله الفلسفية التي تركز على العقلانية والواجب. واليوم، تعود الأسئلة بشكل مختلف، في وقت أصبحت فيه الخوارزميات تقرر دون أن تفكر، وتتحكم دون أن تدرك ما تفعل.
دمج الذكاء الاصطناعي مع تقنيات الترانسهيومان يفتح الباب أمام تحديات أخلاقية واجتماعية غير مسبوقة. قرارات الآلة قد تؤثر بشكل مباشر في مصير البشر، وتُطرح تساؤلات حول المسؤولية والمعايير. هذه التقنيات قد تعمّق الفجوة بين من يمتلكون قدرات معززة ومن ظلوا على حالتهم الطبيعية. وسط هذا المشهد، تصبح إنسانيتنا في مهب التحول، مع تلاشي الحدود بين الكائنات البيولوجية والأنظمة الذكية.
في السنوات الأخيرة، بما في ذلك عام 2024م، كثّفت العديد من الدول مبادراتها الوطنية لوضع استراتيجيات للذكاء الاصطناعي، مع التركيز على الجوانب الأخلاقية والتنظيمية. يعمل الاتحاد الأوروبي على قانون الذكاء الاصطناعي لضمان حماية حقوق الأفراد والقيم المجتمعية، وأصدرت الولايات المتحدة توجيهات لتطوير الذكاء الاصطناعي بشكل مسؤول. هذه الجهود تعكس إدراكًا عالميًا بأن التطور التكنولوجي يجب أن يسير جنبًا إلى جنب مع إطار أخلاقي وقانوني قوي.
لكن التحديات لا تقتصر على الجانب الأخلاقي فقط. هناك تحديات تقنية هائلة تتعلق بتطوير ذكاء اصطناعي يمكن الاعتماد عليه، وغير متحيز، وقادر على التكيف مع بيئات معقدة.
كما أن هناك تحديات اقتصادية تتعلق بتأثير الذكاء الاصطناعي على أسواق العمل، وإمكانية إحلال الآلات محل البشر في العديد من المهن. ومع ذلك، فإن الفرص التي يقدمها الذكاء الاصطناعي والترانسهيومان هائلة. يمكن لهذه التقنيات أن تحدث ثورة في مجالات مثل الطب، والتعليم، والنقل، وأن تساهم في حل بعض أكبر المشاكل التي تواجه البشرية، من تغير المناخ إلى مكافحة الأمراض المستعصية.
الآلة اليوم لم تعد مجرد أداة جامدة. الذكاء الاصطناعي تجاوز دور التابع الصامت، وصار شريكًا في الفهم والإنتاج. منذ عام 1936م، حين كتب تورينغ فكرته الأولى، والفكرة تنمو وتتمدّد، حتى أصبحت واقعًا حاضرًا في كل بيت ومؤسسة وشاشة. الإنسان يقف من جديد أمام صنيع يده، محاطًا بأسئلته، محمّلًا بمسؤوليته. الذكاء الاصطناعي لا يُحاسَب على القيم، المسؤولية تقع على من وجّهه وأطلقه. من تورينغ إلى كرزويل، من مكارثي إلى ألتمان، من بوستروم إلى هراري، لم تكن الحكاية عن الآلة وحدها، بل عن الإنسان حين يصنع مرآة تشبهه، ثم تبدأ هذه المرآة في رسم صورته القادمة.
رحلة البشرية مع الذكاء الاصطناعي والترانسهيومان مستمرة، مليئة بالفرص والتحديات. هذه التحولات تحتاج إلى وعي ومسؤولية، حتى تكون في خدمة الإنسان وتساعد على بناء مستقبل أفضل، أكثر عدلًا وتوازنًا. النجاح في هذه الرحلة يعتمد على التعاون بين العلماء والمفكرين والمجتمعات، وعلى قدرتنا على اتخاذ قرارات أخلاقية وواعية.