سهوب بغدادي
هل يمكن للإنسان أن يكون طيبًا دون أن يُستغل، وحازمًا دون أن يفقد دفء قلبه؟
في زمن تتفرع فيه العلاقات وتتعاظم فيه الضغوطات ويعلو فيه سقف التوقعات، تبدو هذه المعادلة صعبة إلا أن تحقيقها يعد أمرًا في غاية الأهمية من أي وقت مضى، بالتأكيد، إن الأمر ليس بالهين، فكيف بالشخص اللطيف أن يقول لا دون أن يشعر الشخص المقابل بمرارة الرفض؟
بحسب أغلب كتب تطوير الذات والمعالجين النفسيين والسلوكيين لا يوجد أي تعارض بين أن يكون للإنسان قلب لين وحدود حادة، وأقصد هنا أن تكون الحدود معروفة أولًا بالنسبة لواضعها قبيل تعريف الغير بها، بل إن الجمع بين اللين والوضوح في حدودك يعد إحدى دلالات الاتزان وتقدير الذات، فالقلب اللين يعني التعاطف، والقدرة على فهم الآخرين، والميل إلى العفو، وعدم إيذاء الغير، وهي كلها صفات جميلة ومحمودة إلا أنها قد تتحول إلى عبء ثقيل إذا غابت الحدود الواضحة، وأصبحت حياة الشخص مستباحةُ من المحيط.
أكرر أن الحدود الحادة لا تعني القسوة والغلظة، بل تعني الوضوح والحزم، أن ترفض حين يلزم الأمر، وألا تسمح بتكرار الخطأ، وألا تجامل على حساب راحتك وراحة أحبائك أو قيمك، فرسم الحدود يعني حماية طاقتك ووقتك وكرامتك، وتمنع الاستنزاف العاطفي الذي قد ينتج عن الطيبة الغامرة، وتظهر الإشكالية غالبًا في رحلة البحث عن التوازن بين الكفتين.
إن الشخصية القادرة على الجمع بين اللين والحزم شخصية جديرة بالاحترام لأنها تحب الخير للغير ولا تنسى احتياجاتها في خضم الحياة.
حقًا، إن الناس ينجذبون إلى الطيبة، لكنهم يقدّرون الوضوح. في النهاية، القلب اللين يمنح العلاقات دفئها، والحدود الحادة تمنحها استقرارها، ومع اجتماعهما تنشأ علاقات صحية مبنية بوثاق الاحترام المتبادل لا على الاستنزاف.
«كن طيبًا بما يكفي لتبقى إنسانًا، وحازمًا بما يكفي لتبقى كريمًا مع نفسك»