زياد الجارد
منحت وسائل التواصل الاجتماعي الناس مساحة غير مسبوقة للتعبير، وكشفت مواهب كانت ستظل صامتة لولاها، وقربت المعرفة من الجميع بضغطة زر.
لكن هذه المساحة نفسها أعادت تعريف الشهرة بطريقة مختلفة، فعوضًا عن أن ننتظر شابًا أو شابة يشرح حلا لمشكلة أو يقدم فكرة جديدة أو درسًا في التاريخ، أصبحنا نترقب مراهقاً يبتكر رقصة ساخرة أو تحدياً سخيفاً.
هذه هي الشهرة الجديدة، لم تعد تقاس بالإنجاز أو المعرفة، بل بعدد المتابعين، وبسرعة انتشار المقطع، حتى وإن كان بلا قيمة.
وبضغطة واحدة، أصبح بإمكان أي شخص أن يصنع لنفسه جمهوراً واسعاً، ويصعد لمجدٍ زائف، دون أن يقدم ما يستحق المتابعة.
هذا التحول في مفهوم الشهرة جعل وسائل التواصل ساحة مفتوحة لكل الأصوات، والحقيقة أن كثيرًا من هذه الأصوات لا تستحق أن تُسمع.
وتكون هناك مشكلة عندما يكون صانع المحتوى صغيراً بالعمر، محدود الوعي بالتأثير أو بالمال، وجمهوره من الجيل نفسه، فيغيب النضج ويصبح المحتوى السطحي أكثر جذباً من المفيد، ويتحول الضحك إلى قدوة والسخرية إلى أسلوب حياة.
وبطبيعة الحال هذا التعلق بصناعة المحتوى أسهم في زيادة ساعات الاستخدام، الذي قد يؤدي إلى عزلة وآثار نفسية وسلوكية، وتشتت ذهني، واكتئاب، وهي مؤشرات تؤثر في بنية التفكير والوعي لدى هذا الجيل وتنعكس على تشكيل سلوكياتهم.
وإذا اقترن هذا المحتوى بدخل مالي مرتفع، أصبح المال في يد من لا يحسن استخدامه، وتبدأ مظاهر البذخ والتفاخر، فيختل التوازن ، فهذه شهرة بلا محتوى ومال بلا إدراك فيصبح التأثير السلبي على المجتمع والأسرة أمرًا شبه حتمي.
فهل نستطيع أن نعيد توجيه هذا المحتوى؟ ربما يبدأ الحل من الأسرة بالمتابعة والتوجيه، ومن المجتمع بعدم تضخيم هذا المحتوى وعدم منحه زخماً من الاهتمام لا يستحقه.
وتبادر إلى ذهني، هل يمكن للتعليم أن يؤدي دورًا أكثر فاعلية وأن يفعل دوره كمنتج؟
ويشجع الأبناء على إنتاج محتوى معرفي وإبداعي عالي الجودة، يكون وسيلة لتحسين الدرجات أو للفوز بجوائز وغيره، دون أن يتحول إلى مادة إلزامية؟ قد يكون لهذا أثر في تعديل مسار هذه التقنية بطريقة رائدة ومفيدة.
فالتقنية سلاح ذو حدين، إما أن ترفع وعي جيل، أو تجره إلى قاع لا قرار له.
ما نكافئه اليوم سيشكّل وعي الغد. فهل نعيد تعريف الشهرة؟ ونستعيد قيم الجهد والمعرفة، قبل أن يصبح الترند هو من يربي أبناءنا بدلًا منا!!.