د. عبدالحق عزوزي
عقد منذ أسابيع المنتدى الاقتصادي العالمي اجتماعه السنوي الـ56 بدافوس- كلوسترز بسويسرا، وذلك بمشاركة العديد من القادة والمسؤولين والاقتصاديين ورواد التكنولوجيا وغيرهم، في بيئة أمنية دولية لها سمات أربع: التقلب، والتوجس، والتعقيد، والغموض، وهي سمات حقيقية تطبع هاته الأزمنة أكثر من أي وقت مضى، وهي تجعل الخبراء الإستراتيجيين في بعض الأحيان في حيرة من أمرهم عندما يريدون تشخيص الحاضر وتوقع المستقبل للتأثير فيه أو تجنب ويلاته من خلال إعداد العدة أو الدخول في عالم التفاوض متعدد الأطراف حفاظاً على الأنفس والممتلكات.
وتبنى المنظمون شعار «روح الحوار» ليكون خريطة طريق عمل جلسات واجتماعات منتدى دافوس، وهذا الحوار هو ضرورة حتمية وواجب أخلاقي وإنساني، وهو تعبير أصيل عن أبرز قيم الحضارة وسمات الشخصية الإنسانية المتوازنة. ويتطلب فضلاً عن التكافؤ بين الإرادات والتوفر على النوايا الحسنة، الاحترام المتبادل والالتزام بالأهداف التي تعزز القيم والمبادئ الإنسانية التي هي القاسم المشترك بين جميع الحضارات والشعوب. ولا يعني احترام الرأي الآخر القبول به في المطلق، فقد أتفق أو أختلف معك، ولكن في النهاية الاحترام هو السائد.
ولكن الأمور جد معقدة؛ وهذا الحوار لن يكتمل ولن يكون له معنى كبير لأن النظام الدولي الحالي الذي بدأ يتشكل من خلال مأسسة ثلاثة تكتلات «أمريكية» و«صينية» و«روسية» سيطبعها قانون القوة بدل قوة القانون؛ وهاته هي القاعدة التي ستصبح أساس النظام العالمي، وستصبح العديد من المنظمات العالمية بدون تأثير كثير ما دامت أمريكا دركي العالم لا ترغب فيها، ولا أدل على ذلك من انسحابها منذ أيام من 31 كياناً تابعاً للأمم المتحدة و35 منظمة غير تابعة لها؛ وهذا طبعاً سيستمر لسنوات بل ولعقود، وسيقوي النفاق الدولي وازدواجية المعايير التي تخدم مصالح القوى العظمى، وسينمي كل يوم الخط الفاصل بين دول الجنوب الشاملة والفاعلين الكبار في النظام العالمي، بل سيساهم في الزيادة من حدة التوتر بين القوى العظمى أنفسها؛ كما أن الدول ستكون مضطرة أكثر من أي وقت مضى للاصطفاف مع أحد تلكم التكتلات بدل الأخرى وستزداد الصراعات وعسكرة العالم.
وهناك سؤال آخر يطرح: ما العمل أمام مدرسة تظل تدافع عن الليبرالية وأخرى تدافع عن الحمائية؟ وأي تأثير على الاستثمارات في ظل المخاوف من انعدام الاستقرار؟ خاصة ونحن نعلم أن أوروبا ليست بخير وأن أمريكا طلقتها وتركتها تسبح في مشاكلها. ولا جرم أن هذا هو الانطباع السائد في الصالونات الفكرية وفي التقارير المؤسساتية الأوروبية البارزة وما لحظناه رأي العين في جولاتنا الأوروبية الأخيرة. فالدول الأوروبية تعاني أزمة وجودية وأزمات اقتصادية واجتماعية وسياسية قل نظيرها وهناك مرحلة من الاضطرابات الاجتماعية والسياسية تؤثّر بشكل بالغ على كل الدول الأوروبية وتخضع المجتمعات لعملية تحوّل مع إلغاء الامتيازات وبروز الجماعات السياسيّة الراديكالية إلى جانب بروز دور عموم الجماهير الذين يبرزون كل يوم كفاعلين أساسيين في تحديد مصير البلدان بدل الأحزاب السياسية.
ونحن نتحدث عن المدرستين الليبرالية والحمائية، نتذكر كيف تحولت دول مثل الولايات المتحدة الأمريكية بين عشية وضحاها من الليبرالية اللامتناهية إلى متدخلة حمائية حفاظاً على مؤسسات الدولة من الانهيار مما أدى إلى تغير الميكانيزمات الاقتصادية والمالية الدولية. فالأزمة المالية التي عاشها العالم سنة 2008، والتي أصبحت أزمة اقتصادية، ليست الأولى في التاريخ وإنما هي الأولى التي يمكن اعتبارها كونية كما يمكن أن تتكرر.
كما نتذكر كيف عمل البنك المركزي الأمريكي على خفض نسبة الفائدة منذ سنة 2001، مقدماً بذلك مصدراً جديداً للإثراء لمن يتوفرون على مهارات الاستثمار بشكل أفضل عن طريق الاقتراض. وهكذا تهافتت الأسر الأمريكية على القرض الشبه المجاني، كما استفاد قطاع العقار بشكل كبير من هذه الهبة المالية.
وفي بداية شتاء 2006، كانت العديد من الأسر الأمريكية الأكثر فقراً، والتي عرضت عليها القروض العقارية الرهنية، وجدت نفسها غير قادرة على سداد ديونها. وبدأت البنوك في مصادرة الممتلكات، كما بدأ الملاكون المثقلون بالديون في بيع ممتلكاتهم قبل أن تصادرها البنوك.
عبرت الأزمة، بشكل بطيء لكن بشيء أكيد، من الولايات المتحدة الأمريكية المحيط الأطلسي لتصل إلى البنوك الأوروبية الكبرى. وهو ما جعل كل الدول وبدون استثناء تتغاضى عن سياساتها الليبرالية وتفرض قواعد حمائية أبى من أبى وشاء من شاء.