د.محمد بن عبدالرحمن البشر
عندما كان رسول الله -صلى الله عليه وسلم- في مكة يعاني من ظلم أهله القرشيين، وهو لم يستخدم سوى قول الحق، فلم يكن هناك لا سيف ولا قلم، وإنما عبارات شفهية تخرج من لسانه الكريم، فتصغي لها الآذان وتنفتح لها القلوب، وتطمئن لها العقول، كان بعض أصحاب الزعامة لا يروق لهم المشهد، ولا يطيب لهم طيب القول، فكانت المعارضة دون مجادلة المنهج الذي رأوه أيسر للخلاص من صدق القول، وجميل البيان، الذي جاء به محمد بن عبدالله صلى الله عليه وسلم، ولو لا عشيرته الأقربين وعلى رأسهم عمه أبو طالب، لحدث له أمر ما، لكن رعاية الله و لطفه، وتدبيره لإظهار هذا الدين العظيم، جعل أبا طالب سببا في حماية رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، وإذا أراد الله شيئاً قال له كن فيكون.
بعد وفاة عمه أبي طالب وزوجته خديجه، تكالب عليه المشركون فذهب إلى الطائف لعله يجد هناك من يناصره، غير أنه لاقى منهم الأمرين، كما كانت الحال في مكة، وأخذوا يسبونه ويرمونه بالحجارة، وتجمعوا حوله، وأخذ يتراجع قليلاً قليلاً حتى استند بظهره على الحائط، ودعا ربه متضرعًا بعد أن بعدوا عنه، وهدأ روعه، قائلًا: (اللهم إليك أشكوا ضعفي، وقلة حيلتي، وهواني على الناس، يا أرحم الراحمين أنت رب المستضعفين، أنت ربي، إلى من تكلني إلى عبد يتجهمني، أو عدو ملكته أمري).
دعاء عظيم، ومناجاة رب كريم من رسول أمين، دعاء يصور واقع الحال في الجسد والنفس في تلك الآونة من المسيرة النبوية المباركة، كما يرسم صورة واضحة لما كان يعيشه صلي الله عليه وسلم في تلك الحال، ضعف في القوة، فلا يستطيع بمفرده الخلاص، وليس له نصير يناصره ويقف بجانبه، وقد ضاقت الحيل، وقلت السبل، واستعصت طرق الخلاص، ونظر إلى ما يعيشه من هوان على الناس، فلجأ إلى ربٍ رحمن رحيم، نصير كل مستضعف على هذه الأرض، ثم يناجي ربه متسائلاً عن الملاذ، فهو بين عبد يتجهمه، وعدو يملك الغلبة، والقوة، والقدرة الظاهرة، ويستجمع قواه عليه الصلاة والسلام، ويعود أدراجه إلى بلاده مكة لعلها تؤويه، مع علمه ان كثيرًا من زعمائها مناوئين له، وللرسالة التي حملها إليهم، وكان دافعهم إلى الموقف غير الصائب المكابرة، والإصرار على ما كان يعبد الآباء حتى ولو كان مخالفًا للملة الإبراهيمية التي يرونها حقًا، فلم يأت عليه الصلاة والسلام بأمر لا يعلمونه، فقد دعا إلى العودة إلى عبادة الله وحده، وترك عبادة الأصنام.
عاد رسول الله - صلى الله عليه وسلم- إلى مكة بعد سير على الأقدام تخطى فيه الجبال، عاد مكسور الخاطر، لا يعلم ماذا سيحل به، هو ورفيقه في رحلته زيد بن حارثة، لكن يقينه بنصرة الله وصبره لم يتزحزحا، وتلقاه قومه قريش وأرادوا منعه وزيد من دخول مكة، لكن رسول الله أرسل رجلاً من خزاعة إلى المطعم بن عدي بن عبد مناف القرشي، الذي يلتقي مع رسول الله نسبًا في عبد مناف أن يجيره وصاحبه فما كان منه إلا أن وقف في وجه قريش، وأجار رسول الله ومعه زيد، وأمنهما، والمطعم بن عدي رجل له جاه وسياده، وتقلد وبنوه وإخوته السلاح، وتوجهوا إلى أركان الكعبة وحذروا قريش من المساس به. واستأنف رسول الله دعوته وتبليغ الرسالة التي أرسله الله بها.