د. الجوهرة بنت فهد الزامل
في عالم تتحرك فيه التحولات الرقمية والاجتماعية بسرعة، لم تعد الإنجازات التقنية وحدها كافية لقياس تقدم الدولة. فالثقة بين المواطن والمؤسسة أصبحت أصلًا وطنيًا استراتيجيًا، قادرًا على تعزيز الاستقرار الاجتماعي، وضمان استدامة السياسات، وتمكين المجتمع من التكيف مع المستقبل.
هذا المقال يسلط الضوء على تجربة المملكة في بناء هذا الأصل، من خلال دمج الابتكار الرقمي مع التجربة اليومية للمواطن، وتحليل أثره العميق على النسيج الاجتماعي ورؤية 2030.
هل تُبنى الدول بالخدمات التي تقدمها فقط، أم بما يشعر به المواطن تجاهها؟ هذا السؤال بات حاضرًا اليوم في النقاشات الاستراتيجية حول مستقبل التنمية. ففي زمن التحولات المتسارعة، لم تعد الثقة نتيجة لاحقة للإنجاز، بل شرطًا مسبقًا لنجاحه، وبنية تحتية غير مرئية يقوم عليها الاستقرار الاجتماعي، وقابلية التغيير، واستدامة السياسات العامة.
الثقة اليوم لم تعد مفهومًا نفسيًا أو قيمة أخلاقية مجردة، بل تحولت إلى أصل اجتماعي واستراتيجي فاعل. أصلٌ يُبنى بالتجربة، ويُقاس بالأثر، ويُستثمر في استقرار المجتمع وقدرته على التكيّف مع التحولات.
في السياق السعودي، تبرز الثقة كإحدى ركائز التحول الوطني، ليس بوصفها خطابًا عامًا، بل ممارسة يومية تتجسد في التجربة التي يعيشها الفرد مع الخدمات، والقرارات، ونمط التفاعل مع مؤسسات الدولة.
ومع تسارع التحول الرقمي، أصبحت هذه المساحة من أكثر المجالات اختبارًا لعلاقة الثقة بين المواطن والمؤسسة، وترتبط ارتباطًا وثيقًا بأهداف رؤية 2030 في تعزيز الاستقرار الاجتماعي والتنمية المستدامة.
أظهرت نتائج مؤشر نضج التجربة الرقمية لعام 2025، الصادر عن هيئة الحكومة الرقمية، تحقيق مستوى «متقدم»، بعد تقييم شامل لـ50 منصة رقمية حكومية، وبمشاركة واسعة تجاوزت 374 ألف مستفيد. وتصدرت منصات وطنية رئيسية التقييمات، مثل «أبشر» و«توكلنا» و«إحسان» و«اعتماد» و«قوى»، مما يعكس شعورًا متزايدًا بالموثوقية، وسلاسة التعامل، وعدالة الوصول.
وتعزز هذه المؤشرات تصنيف المملكة في المركز الثاني عالميًا في مؤشر نضج الحكومة الرقمية (GTMI) لعام 2025 الصادر عن مجموعة البنك الدولي ،
وتوجت بالمركز الأول عالميًا في ثقة الجمهور بالحكومة، وفق تقرير إيدلمان ترست باروميتر 2026، للعام الثالث على التوالي، في دلالة تعكس تنامي الثقة المؤسسية كأصل وطني.
(وفق تقارير هيئة الحكومة الرقمية، ومجموعة البنك الدولي، وإيدلمان ترست باروميتر).
ولا تكمن أهمية هذه النتائج في أرقامها فحسب، بل في انعكاسها على سلوك المواطن وثقته اليومية بالمؤسسات. فسهولة الاستخدام، وعدالة الوصول، وسرعة الاستجابة، تتحول مع الوقت إلى شعور عام بالاطمئنان، وهو جوهر الثقة المؤسسية المستدامة.
القيمة الحقيقية لهذه المؤشرات تكمن في دلالتها الاجتماعية الاستراتيجية. فعندما يثق المواطن في المنصة الحكومية، فهو لا يثق في التقنية وحدها، بل في المنظومة التي تقف خلفها: في نية المؤسسة، واستمرارية التحسين، وقدرتها على الاستجابة. وهنا تتحول الثقة إلى علاقة تراكمية تُبنى عبر التجربة اليومية، وتُختبر في التفاصيل الصغيرة قبل القرارات الكبرى.
من هذا المنطلق، لم يعد تعزيز الثقة مسألة خطابية أو إعلامية، بل نتاج سياسات واضحة تقوم على الشفافية، وسهولة الوصول، والاستماع الحقيقي للمجتمع. وتأتي مبادرة «صوت المستفيد» مثالًا على هذا التحول من الاتصال الأحادي إلى الشراكة. فعندما تُتاح للمواطن مساحة للتقييم وإبداء الرأي، وتتحول ملاحظاته إلى تحسينات ملموسة، تتعزز الثقة بوصفها تجربة معيشة لا وعدًا مؤجلًا.
ولا تكتمل الثقة دون شمولية حقيقية. فالتحول الرقمي، إن لم يصل إلى كبار السن وذوي الإعاقة، قد يتحول من أداة تمكين إلى مصدر فجوة جديدة. ومن هنا تبرز أهمية المؤشر الفرعي للشمولية الرقمية، الذي سجل مستوى «متمكن»، مع خدمات تراعي استقلالية الجميع، مثل تسهيل تسجيل الفئات الأضعف في برامج الدعم دون عناء التنقل.
في العمق، تُبنى الثقة المؤسسية على ثلاثة عناصر مترابطة: الشفافية، والعدالة، والاستجابة. حين تكون القرارات واضحة، وتوزيع الموارد منصفًا، وتُترجم الملاحظات إلى أفعال، يشعر المجتمع بأن صوته مسموع ومصالحه مصانة.
كما أن الثقة لا تُختزل في العلاقة الرأسية بين الفرد والدولة، بل تمتد إلى النسيج الاجتماعي الأفقي. المبادرات التي تعزز العمل التطوعي، وتدعم الأسرة، وتفتح مساحات للمشاركة الثقافية والتعليمية، تُسهم في بناء روابط بين الأفراد. ومنصات مثل «إحسان» تُظهر كيف يمكن للتقنية أن تكون جسرًا للتكافل.
وإذا كانت هذه الإنجازات تعكس نجاحًا ملموسًا، فإن الحفاظ عليه يتطلب إدارة واعية لهذا الأصل الوطني. ومع وضوح هذه المعطيات، يصبح الانتقال من المفهوم إلى التطبيق ضرورة استراتيجية،
وهو ما يتقاطع مباشرة مع مستهدفات رؤية 2030 في تعزيز جودة الحياة، والتحول الرقمي، وبناء رأس المال الاجتماعي.
ومن خلال تعزيز الأدوات التالية بمنطق تنفيذي:
- تعزيز إصدار المؤشرات الدورية لقياس رضا المستفيدين، مع نشر النتائج سنويًا لتعزيز الشفافية.
- توسيع مبادرة «صوت المستفيد» بتكامل الذكاء الاصطناعي لتحليل الملاحظات، وتطوير منصات لتبادل الآراء المباشر.
- توسيع الجوائز السنوية لأفضل الجهات في الشمولية الرقمية، مع برامج تحفيزية لأعلى مستويات الرضا.
- تعزيز عمل اللجان الوطنية لمتابعة أثر السياسات على الأسرة والمجتمع، وتقديم توصيات مستمرة.
هذه المبادرات ليست مجرد سياسات، بل تشكل الأساس لاستدامة الثقة في المجتمع وتعزيز جاهزيته للتعامل مع التحولات الكبرى.
وبتزايد هذه المبادرات ووضوح أثرها، تُصبح الثقة رصيدًا استراتيجيًا يمكن للمجتمع البناء عليه في مواجهة التحولات الرقمية والاجتماعية المتسارعة. فالمجتمعات التي تمتلك رصيدًا مؤسسيًا مرتفعًا من الثقة تكون أكثر قدرة على استيعاب التحولات الكبرى دون أي اهتزاز في التماسك الداخلي.
وفي هذا السياق، تُظهر التجربة السعودية كيف يمكن للثقة أن تتحول من مفهوم نظري إلى أصل استراتيجي واقعي، يقلل المخاطر قبل وقوعها، ويعزز تماسك الأسرة، ويقوي النسيج الاجتماعي بهدوء وفعالية.
وتصبح الثقة العملة الأندر والأغلى، وإدارتها جزءًا لا يتجزأ من إدارة المستقبل.