د. إبراهيم الشمسان أبو أوس
إن أضيف اسم إلى غيره اكتسب التعريف إن كان المضاف معرفة، والتخصيص إن كان نكرة، وأثار السهيلي مسألة جدلية، وهي لمَ يكتسب النكرة التعريف ولا ينعكس الأمر بأن يكتسب المضاف إليه المعرفة التنكير، قال السهيلي «وأما المضاف إلى معرفة فإنه اكتسب التعريف من الاسم الثاني واتصاله له، وحلوله منه محل التنوين، فصار بمنزلة اسم واحد، فانسحب التعريف على جميعه. فإن قيل: ولم اكتسب الأول التعريف من الثاني، ولم يكتسب الثاني التنكير من الأول؛ إذ هو مقدم عليه في اللفظ، لا سيما والتنكير أصل في الأسماء والتعريف فرع عليه، فكان ينبغي، إذ جعلا كاسم واحد أن ينسحب التنكير من أول الاسم إلى آخره، فلم غلّبوا التعريف؟ فالجواب من وجهين: أحدهما: أنهم قد غلبوا حكم المعرفة على النكرة في غير هذا الموطن كقولهم: هذا زيدٌ ورجلٌ ضاحكين، على الحال. ولا يجوز: ضاحكان، على النعت تغليبًا منهم لحكم المعرفة، وذلك أنهم رأوا الاسم المعرفة يدل على معنيين: الرجل وتعيينه، والشيء وتخصيصه من غيره، والنكرة لا تدل إلا على معنى مفرد، فكان ما يدل على معنيين أقوى مما يدل على معنى واحد، وهذا بديع لمتأمله، وأصل نافع لمحصله. والجواب الثاني أن تقول: الاسم المضاف إليه بمنزلة (آلة) التعريف. فصار كالألف واللام والصيغة الدالة على الإبهام، ولم ينسحب تعريفه على الأول؛ لأنه لم يكتسب منه العلمية، وإنما اكتسب تعريفًا آخر كما اكتسب من الألف واللام التي هي آلة التعريف، ألا ترى أنه إذا أضيف إلى المضمر لم يكتسب منه إضمارًا، وإنما اكتسب تعريفًا، وكذلك إذا أضيف إلى المبهم لم ينسحب عليه معنى الإبهام فدل على أن الإضافة بمجردها هي الموجبة لتعريف الاسم والمضاف إليه بمنزلة آلة داخلة، فلم يلزم أن يقتبس الثاني من تنكير الأول، ولا أن يقتبس الأول من علميّة الثاني وحاله في المعرفة، وإنما تعرف بالإضافة إلى أي نوع كان من المعارف. والمضاف إليه في كل هذا كالآلة الداخلة على الاسم لمعنى»(1).
ولعل الصواب هو الانطلاق مما قرره هو من أن التنوين يلحق الاسم ليدل على انفصاله(2)، ولذا يحذف التنوين إن أريد وصله بما بعده بالإضافة، وكذا تحذف النون من المثنى والجمع على حدّه، فإن كان المضاف إلى معرفة تعرّف لاكتسابه العهدية؛ لأنه صار جزءًا من المضاف إليه أو كالجزء، وإن أضيف إلى نكرة ظل نكرة، فإن أضيف الاسم من غير أن يجعل جزءًا مما بعده وكان الغرض التخلص من التنوين بتركيب الاسمين تركيبًا إضافيًّا لم يكتسب المضاف بإضافته تخصيًا ولا تعريفًا، بآية أنك تنعت به النكرة فإن نعت به معرفة عرفته بلام التعريف، قال تعالى ?فَجَزَاءٌ مِّثْلُ مَا قَتَلَ مِنَ النَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوَا عَدْلٍ مِّنْكُمْ هَدْيًا بَالِغَ الْكَعْبَةِ? [95: المائدة]، فنعت (هديًا) النكرة بـ(بالغ الكعبة) المضاف إلى معرفة، قال الزجاج «وقوله: ?هَدْيًا بَالِغَ الكعْبَةِ? منصوب على الحال. المعنى يحكمان به مقَدّرًا أن يُهْدَى. و(بالغ الكعبة) لفظُه لفظ مَعْرفة، ومعناه النكرة، المعنى بالغًا الكعبة، إِلا أن التَّنْوِينَ حُذِف استِخفَافًا»(3). فإن نعت به معرفة أدخلت لام التعريف على الرغم من إضافته إلى معرفة، «قال الشاعر(4):
فما قولي بثعلبةَ بن سعدٍ
ولا بفَزارةَ الشُّعْرِ الرِّقابا»
والعلة الصحيحة في نظري أن المضاف اكتسب التعريف من إضافته للمعرّف؛ لأنه صار جزءًا منه، ولم يكتسب المضاف إليه التنكير لأنه ليس جزءًا من المضاف، ولا تتحقق الفائدة ببقاء النكرة نكرة، وتخصيص النكرة لا يغيرها عن تنكيرها؛ ولأن الإضافة لا تلغي ما يدل على التعريف فيه كأداة التعريف أو معنى التعريف كالعلمية. وبالجملة لم يكن السهيلي موفقًا في معالجته.
**__**__**__**__**__**
(1) نتائج الفكر في النحو بتحقيق البنا، ص: 215-216.
(2)أمالي السهيلي، ص 24-25.
(3) معاني القرآن وإعرابه للزجاج، 2/ 208.
(4) الكتاب لسيبويه، 1/ 201.