أ.د.عبدالرزاق الصاعدي
ورد المصدران الطَّرآن والطَّرَيان في مصادر أصيلة قديمة متفرّقة، في أساليب العلماء من أهل اللغة وأهل الفقه، ولم يردا في المعاجم، وقد كتب عن الطَّرآن والطريان أستاذنا اللغوي الكبير أ.د. إبراهيم الشمسان، في بعض مقالاته فقال: «واستدراك ما فات المعجمات القديمة مشروع اعتمده مجمع اللغة الافتراضي بإشراف.. عبدالرزاق الصاعدي. ولعل من المفيد أن أضرب مثالًا على استعمال لفظ ليس في المعجمات القديمة، وهو مما استفدته من العالم المحقق د. عبدالله الشلال، ذكر لي المصدر (طرآن) وأنه ليس مثبتًا في مدخل (طرأ) من المعجمات القديمة. وبالبحث نجد أنه مستعمل في بعض كتب النحو المتأخرة، مثل (تسهيل الفوائد لابن مالك ص305) قال: إلّا إن قُدِّرَ طَرآنُ التأنيث»، ثم ذكر أستاذنا الشمسان مواضع أخرى لورود هذا المصدر في كلامهم، كـ(شرح التسهيل لابن مالك، 1: 55) و(شرح ابن الناظم، ص 351) قال: «وذكر الشلال ورود المصدر في بعض مخطوطات النحو بالياء (طريان). والمصدر بهذا اللفظ كثر استعماله في لغة الفقهاء.... وقد أجازه النسفي في (طِلبة الطَّلَبة)، على سبيل تليين الهمزة للتخفيف، ولا وجه لتسهيل الهمزة المفتوحة في مثل الطرآن، وقد خطّأ المطرّزي هذا التسهيل في قوله: وأما الطريان فخطأ أصلًا».
قلت: ومنهم الجويني إمام الحرمين (ت 478هـ) في كتابه «نهاية المطلب في دراية المذهب» قال محققه د. عبدالعظيم الذيب (المقدمة/ 290): «استعمل (الجويني) لفظاً صحيحاً خطّأه الإمام النووي، وظهر أنه صواب منصوص في كتب اللغة، وذلك لفظ (طريان) في نحو قوله: طريان الحيض، وطريان العجز، وطريان السفر، وطريان الخوف، كذا استعملها الإمام، وتكررت مرارا، واستعمله تلميذه الغزالي في الوسيط، قال في كلامه عن المستحاضة: وقال الشافعي رضي الله عنه: «تقضي خمسة عشر يوماً، وكأنه لم يخطر له (الطريان) -أي طريان الحيض- في وسط النهار». وعقّب الإمام النووي على ذلك قائلاً: «قوله: (الطريان) هكذا يتكرّر في الوسيط، وهو تصحيف، وصوابه: الطرآن».
وأقول: وجدتُ الطرآن والطريان في مصادر كثيرة، كما قال أستاذنا الشمسان، وقد أخطأ المطرزي بتخطئته الطريان، فقد جاء في اللغة طَرَا/طَرَى المعتل بمعنى طرأ المهموز، فالطَّرآن والطريان كلاهما صحيح، الأول من المهموز طرأ، والثاني من المعتل طرى، وهما بمعنى. قالت المعاجم: طَرَأَ على القَومِ يَطْرأُ طَرْءاً، وطُرُوءاً: أَتاهُم من مكانٍ، أو خَرجَ عليهم منه فُجاءةً وهو الطُّرَّاءُ، والطُّرآءُ، ومن المعتل الواوي: طَرَا طَرْواً: أَتَي من مَكانٍ بَعيدٍ، ومن المعتل اليائي: طَرَى إذا تجدد، وطَرِي يطرَى إذا أقبل، فيكون المصدر من المعتل اليائي: الطريان، ومن المهموز: الطرآن، وكثيرا ما يتداخل المهموز والمعتل، ولم تذكر المعاجم الطرآن مصدر المهموز ولا الطريان مصدر المعتل، وهما بمعنى، وهذان المصدران جديران بدخول المعجم، سواء أكانا فائِتَين أم مُولّدين.
وأختم بقول أستاذنا الشمسان وقد أصاب في قوله: «هذا المثال وغيره مما تنطوي عليه أثناء الكتب ومما يتداوله الناس في بيئاتنا اللغوية المتنوعة في الجزيرة جدير بالرصد والبحث، وليس ينهض بهذا مثل مجمع لغوي للغة العربية». نعم، أصاب أستاذنا الشمسان، وقد جمعت بفضل الله آلاف الكلمات من الفوائت القطعية والفوائت الظنية، ونشرتُ شيئا مما جمعت في كتاب، وبقي عندي ما هو أضعاف ما نشر، ولعل الله ييسر ويعين على إخراجه.