أ.د.عمر بن عبدالعزيز المحمود
يبدو أن الساحة الثقافية في السنوات الأخيرة قد أفسحت مجالاً واسعاً لنوع من الكتابة يقوم على استعجال الظهور أكثر مما يقوم على استحقاق البقاء؛ كتابة تُنجز في زمن قصير، وتُدفع إلى النشر بثقة فائضة، وتُحاط بضجيج يسبقها إلى القارئ، حتى تكاد السمعة تُصنع قبل أن تُختبر الصفحات.
هذا اللون من الأدب، الذي يستند إلى سرعة الانتشار، ويستمد حضوره من أرقام المتابعة، أصبح عنصراً فاعلاً في تشكيل الذائقة العامة، ومؤثراً في تعريف النجاح الأدبي في أذهان جيل يرتبط بالنص عبر التداول السريع، ويتعامل معه بوصفه حدثاً عابراً يتكرر باستمرار، أكثر من كونه تجربة تتطلب إقامة وتأملاً ومساءلة.
وليس ظهور هذا النمط معزولاً عن تحولات أوسع أصابت مفهوم الثقافة ذاتها؛ فالنشر اليوم تحوّل إلى صناعة ذات إيقاع متسارع، وتقلّصت المسافة بين الكتابة والترويج، وتداخلت وظيفة المبدع مع وظيفة المسوّق، حتى غدت صورة الكاتب جزءاً من المنتج الثقافي، وصار حضوره الإعلامي عاملاً مرجحاً في تقدير عمله.
هنا يتراجع معيار الصبر على النص، ويحلّ محلّه معيار القابلية للتداول، فيتقدم العمل الذي يثير ضجة، ويُعاد نشر مقاطعه، وتُقتبس جمله القصيرة في فضاءات التواصل، بينما تنزوي الأعمال التي تحتاج إلى قراءة متأنية خلف ضجيج العناوين اللامعة.
وتنشأ هنا مفارقة دقيقة في علاقة القارئ بالأدب؛ إذ تتشكّل ذائقة تميل إلى الإيقاع السريع، وتأنس بالعبارة المباشرة، وتفضّل الفكرة التي تُفهم من القراءة الأولى، ومع تراكم هذا الميل، تتبدّل صورة العمل الأدبي في المخيال العام، فيتحوّل إلى نص قصير النفس، واضح المسار، محدود الطبقات، قادر على منح انطباع فوري، وقابل لأن يُستهلك في جلسة واحدة، هذا التحوّل لا يرتبط بكتاب بعينه، إنما يمسّ طبيعة التلقي نفسها، ويعيد تشكيل توقعات القارئ من النص، ومن الكاتب، ومن فعل القراءة.
ومن جهة أخرى يجد بعض الكتّاب في هذا المناخ فرصةً مواتيةً لتحقيق حضور سريع، فيستجيبون لإيقاع السوق، ويصوغون أعمالهم وفق ما يضمن الانتشار، فتكثر الموضوعات المستثارة، وتُستعاد القوالب الجاهزة، وتُعاد صياغة التجارب الشخصية بلغة أقرب إلى الخاطرة منها إلى العمل الأدبي المتماسك، ومع كل إصدار جديد، يتعزّز شعور بأن الكتابة لم تعد مشروعاً طويل الأمد، إنما محطة عابرة في مسار الظهور العام، وأن النجاح يقاس بمدى التفاعل اللحظي لا بعمق الأثر الممتد.
غير أن السؤال الذي يفرض نفسه في هذا المشهد يتعلق بمصير الأدب ذاته: ما الذي يبقى بعد أن يهدأ الضجيج؟ وما الذي يترسخ في الذاكرة بعد انصراف الموجة الأولى من الحفاوة؟ التاريخ الأدبي يخبرنا بأن الأعمال التي تملك قدرة على البقاء تنشأ من تجربة متأنية، وتُبنى عبر جهد طويل، وتستند إلى رؤية تتجاوز اللحظة الراهنة، أما النصوص التي تولد في سياق استعجال الشهرة، فإنها غالباً ما ترتبط بظرفها الزمني ارتباطاً وثيقاً، فتزدهر معه، ثم تخفت حين تتغير الشروط.
ومن هنا تبرز مسؤولية النقد، بوصفه الفضاء الذي يُعاد فيه النظر في هذه الظواهر بعيداً عن إغراء الأرقام، وعن ضغط اللحظة، فالنقد الجاد لا ينشغل بمدى انتشار العمل بقدر ما ينشغل بقدرته على الإضافة، وبما يحمله من كثافة فنية وفكرية، وبما يفتحه من أفق أمام القارئ، وحين يُعاد الاعتبار لهذه المعايير، تستعيد الكتابة توازنها، ويجد القارئ نفسه مدعواً إلى علاقة أعمق مع النص، علاقة تقوم على المكث، وعلى التفاعل الواعي، وعلى إدراك أن الأدب تجربة تُعاش على مهل، وتُختبر عبر الزمن.