د.حسن مشهور
رحل أخي وصديقي سعيد السريحي، رحل أبو إقبال ولم أستطع أن أرثيه ولا أظنني في قريب الأيام سأستطيع، كانت فاجعة وفاته لها تأثيرها المتصاعد على الكثيرين ممن عرفوه واقتربوا منه وأحاطوا به. لا أدري لمَ وجدتني حين وصل لمسمعي خبر وفاته رحمه الله، إنني أخذت خلال الأيام التي تلت رحيله أردد دون إدراك مني، بعضًا من قصيدة شاعر مضر الشهير الكميت بن زيد، وأعني بذلك قوله:
فأن تكُ أرضٌ يا معاويَ غَيّبت
جداكَ وأرضٌ منك أخرى تَخَلَّتِ
فأيّ فتىً لاقَت شَعُوبُ ومَدرَةٍ
وأيّ هِزَبرٍ في فليبِكَ دَلّتِ
رَبيعٌ إِذا ضَنّ الشتاءُ بِقَطرِهِ
ولَيثٌ إِذا ما المشرفيّة سُلّتِ
تباشَرَ من يهوى رَدايَ بِمَوتِهِ
وقالوا مُنىً كانت له فاضمحلّتِ
سأبكيكَ للدنيا وللدين إنّني
رأيتُ يدَ المعروفِ بعدكَ شُلّتِ
لقد كان للناقد الكبير سعيد السريحي، دور لا يمكن بأي حال تجاوزه حين نعرض لتطور الدرس النقدي السعودي الحديث. ولئن كان السريحي قد قال ذات يوم عن شاعرنا السعودي الكبير الراحل محمد الثبيتي؛ انتظرنا ألف عام حتى جاء، وسننتظر ألف عام آخر لكي يظهر لدينا مثله، فأجدني أقول: هل سيجود الزمان علينا بسعيد آخر؟
في مقالي هذا فأنا لن أعرض لتجربتي الكتابية معه، وكيف قدم لأول مرة في حياته لكتاب أديب جديد لم تكن الساحة الأدبية والنقدية السعودية قد عرفته، ولن أعرض أيضًا لتشاركنا مع أدباء ونقاد آخرين من عموم مناطق مملكتنا الحبيبة في تأسيس منتدى نقدي حديث، وهي تجربة لم يكتب لها الاستمرار، أو نقاط التلاقي التي جمعتنا، ونقاط التقاطع التي أخذتنا إلى مربعات لم نرد في تقديري ارتيادها يومًا ما. وإنما سأعرض في مقالي هذا لبعضٍ من تجربته النقدية، وتحديدًا منها كتابه الأشهر في حقل النقد الأدبي الذي صنع له الصيت الذي عرف به في الساحة الأدبية السعودية كناقد سعودي حداثي. وهي تجربة أذكر أنه حين تحدثنا بشأنها وسألته عن البُنى المشكلة لتكوينه النقدي، أنه قد أشار إلى أنه قد قرأ النتاج الفكري للبنيويين وللتفكيكين، ثم أصبح يمازج بين ذلك وبين انطباعه الشخصي عن بنية النص الذي يتعاطى معه، ليخرج بعد ذلك بمقاربته النقدية عن النص المُطالع الذي يُعمِل فيه مبضعه النقدي.
كان أكثر ما عرف الناس به السريحي هو كتابه الأشهر «الكتابة خارج الأقواس»، وهو كتاب صادر عن النادي الأدبي بمنطقة جازان، ممثلة بلجنة المطبوعات بالنادي التي أدرتها لاحقًا لأعوام. في كتابه هذا ركز السريحي على نقاط ثلاث هي على التوالي؛ التحرر من القوالب الجاهزة، وكسر الثنائيات الجامدة على شاكلة «قديم-حديث»، «تراث-معاصرة»، إلى جانب مساءلة المسلّمات النقدية والثقافية. وناقش فيه محاور بعينها تتمثَّل في محور الحداثة والكتابة الذي عرض فيه لتحولات الكتابة العربية في سياق الحداثة، وكيف يمكن للنص أن يتجاوز سلطة التقليد. لينطلق إثر ذلك في تناول التراث وإعادة قراءته، وهنا هو لم يدع إلى القطيعة مع التراث، بل إلى إعادة قراءته خارج «الأقواس» التي حصرته في تأويلات جامدة. وهذا الطرح قد شكَّل العتبة الأولى للكتاب وأعني به العنوان الذي عرف به هذا المؤلَف. ناقش السريحي أيضًا في كتابه هذا النقد بوصفه ممارسة تفكيكية، وهنا لم يقارب السريحي في تقديري أطروحة جاك دريدا، وبول دي مان، وهيلس ميلر، والأميركي جيفري هارتمان بخصوص التفكيك كمشروع نقدي حداثي، وإنما قد لامس المصطلح أو فلأقل بأنه قد تناص معه لفظيًا لا دلاليًا، وأراد بذلك أن يطرح النقد كممارسة تمثِّل فعل كشفٍ للأسئلة المخفية داخل النصوص، لا مجرد إصدار أحكام. ليختتم كتابه الشهير هذا بمحور أخير يتمثَّل في الهوية الثقافية، حيث عرض فيه السريحي لإشكالية الهوية في ظل التحولات الفكرية، وذهب في هذا المحور للقول بأن الهوية في رايه ليست معطى ثابتًا، بل مشروعًا مفتوحًا.
حقيقة، لم يكن السريحي مجرد ناقد أدبي، وإنما قد تخطى ذلك ليكون هو ذلك المؤرِّخ الذي يعيد إلينا ذاكرة المكان، وتمثَّل ذلك في كتابه «الرويس»، الذي أورد في بعض جنباته الوصف التالي «على الأفق الشمالي لجدة كانت تلوح بيوت الرويس.. تلك التي آوى إليها آباؤنا، حيث ألقت بهم أقدارهم.. أكواخ من القش وصندقات من الخشب وبضع بيوت من الطين والحجر. كل بنى من سعته، أو كل بنى من ضيقه، يتفاوتون في مقدار الفقر الذي يوحد بينهم جميعاً على اختلاف القرى التي حملوا جثامينها معهم حين جف الماء وانقطعت بهم سبل الرزق». في هذا الكتاب نستطيع بكل جلاء أن ندرك أن السريحي قد كان في قمة تجليه وشفافيته، بحيث قد تجاوز دور المؤرِّخ ليكتسي بدور «الإنسان الحقيقي» بكل ما تحمله هذه المفردة من معانٍ حقيقية وجميلة وتسام، فقد كان يطغى على الكتاب نستالوجيا المكان التي تتملكنا جميعًا بين الفينة والأخرى، والتي تتفاوت شدة وقعها علينا وفقًا لتفاوت مشاعرنا القلبية والتباين في اكتناز ذاكرتنا البعيدة لذكرى المكان والزمان، ومن هنا يمكن لنا القول بأن السريحي قد كان الأكثر شاعرية وارتباطية بالزمان وذكرى المكان.
كان لتأثير كتاب «الكتابة خارج الأقواس» تأثير مستبطن للعقل اللاواعي لناقدنا السريحي، فتجربته في رفض الكتابة التعبيرية والنقدية التقليدية، وإعلانه الخروج عليها وتحطيم أقواسها التقليدية التي رأى فيها إنها تمثِّل أغلالاً لا بد من كسرها، هي في تقديري أقرب ما تكون لتجربة الفيلسوف الإنجليزي كولن ولسن في كتابه الشهير «اللامنتمي»، فكلا الرجلين كانا يعلنان للملأ عن وجوديتهما الرافضة لكل ما هو تقليدي في الفكر والكتابة ولكل ما هو ممارس في الأداءات الثقافية والتعبيرية التقليدية. ومن هنا نفهم لم اختار السريحي اسم «الحياة خارج الأقواس»، لذلك الكتاب الذي حوى بعضاً من سيرته الذاتية والذي نشر في العام 2020. وإن كنت أعتقد جادًا بأن جزءاً من سيرته الذاتية قد أودعها في كتابه «الرويس»، الذي نشر قبل ذلك وتحديداً في العام 2013. رحم الله ناقدنا الكبير سعيد السريحي، الذي وإن رحل عن دنيانا، إلا أنه سيظل له في ذاكرتنا النقدية والأدبية السعودية مكان ودور فاعل وتأثير أدبي ونقدي لا يمحى عبر مؤلفاته وكتاباته النقدية الفريدة.