يحيى العلكمي
ليست لجانُ التحكيم في المهرجانات المسرحية تفصيلًا إداريًا عابرًا، وإنما هي ركيزةٌ تؤسِّس لثقة الوسط الفني في عدالة النتائج ومصداقية التتويج، فالمهرجان -أيًّا كان حجمه- لا يُقاس بعدد العروض فحسب، وإنما بسلامة إجراءاته ووضوح آلياته، وفي مقدمة ذلك اختيار لجنةٍ قادرةٍ على قراءة الأعمال قراءةً فاحصةً ومنصفةً.
إن أول ما ينبغي الانطلاق منه هو أن لكل مهرجانٍ طبيعته الخاصة وأهدافه المعلنة، ومن ثمّ فإن معايير التحكيم يجب أن تُصاغ صياغةً دقيقةً تتلاءم مع تلك الطبيعة؛ فمهرجانٌ تجريبيٌّ، على سبيل المثال، يحتاج إلى محكَّم يمتلك حسًّا نقديًّا مرنًا يستوعب المغامرة الجمالية ويقرأها تحليلًا لا انطباعًا، أما مهرجانات المسرح التعليمي فتتطلب خبراتٍ تدرك البعد التربوي وتقوِّم التجربة تقويمًا يراعي السياق العمري والمهاري، بينما في المهرجانات الاحترافية الكبرى، يصبح من الضروري إشراك خبراتٍ متخصصةٍ قادرةٍ على تفكيك عناصر العرض تفكيكًا علميًّا يشمل الإخراج والتمثيل والسينوغرافيا والكتابة.
نحن ندرك أن الموضوعية الكاملة تكاد تكون مستحيلةً استحالةً بشريةً، إذ لا ينفصل المحكَّم عن ذائقته وخلفيته المعرفية. غير أن الاعتراف بهذا الحدّ لا يبرر التراخي أو القبول بتدنٍّ في مستوى المعيارية، فثمة فرقٌ بين ميلٍ محدودٍ يمكن ضبطه بمعايير واضحةٍ ونسبٍ معلنةٍ، وبين انحيازٍ تحكمه علاقاتٌ خاصةٌ أو عواطفٌ آنيةٌ.
حين يُختار أعضاء اللجان اختيارًا قائمًا على المجاملة أو التكرار غير المبرر، فإن الرسالة التي تصل إلى المسرحيين تكون سلبيةً، وتزرع شكًّا في عدالة المنافسة.
لقد أصبح من اللافت حضور أسماء بعينها حضورًا دائمًا في لجان متعددة، حتى مع اختلاف طبيعة المهرجانات وتنوع سياقاتها، وليس المقصود هنا التقليل من كفاءة أحد، وإنما الدعوة إلى توسيع دائرة المشاركة إيمانًا بأن تنويع الخبرات يمنح العملية التحكيمية ثراءً أكبرَ وعدلًا أوسعَ، كما شهدنا في غير مناسبةٍ حجبَ جوائزَ عن أعمالٍ رآها كثيرٌ من الحاضرين جديرةً بالتكريم، بشهادة نقادٍ وممارسين، في مقابل إبراز أعمالٍ أخرى بدا اختيارها أقربَ إلى انطباعٍ شخصيٍّ منه إلى معيارٍ مُحكَمٍ.
إن الحل لا يكمن في البحث عن موضوعيةٍ مطلقةٍ، وإنما في ترسيخ إجراءاتٍ تقلِّص مساحة التأثير الشخصي قدر الإمكان، ومن ذلك إعلان معايير التقييم إعلانًا صريحًا قبل انطلاق العروض، وتحديد عناصر المفاضلة تحديدًا رقميًّا واضحًا، ثم تقديم تقارير تفسيرية بعد إعلان النتائج توضح أسباب المنح أو الحجب توضيحًا شفافًا. بهذه الخطوات يتحول التحكيم من قرارٍ مغلقٍ إلى عمليةٍ معرفيةٍ قابلةٍ للنقاش.
إن حماية سمعة المهرجانات تبدأ باختيار لجانٍ تُدرك مسؤوليتها إدراكًا عميقًا، وتحتكم إلى ضميرٍ مهنيٍّ يقظٍ؛ فالمسرح -في جوهره- فعلُ حوارٍ وتنوير، ولا يليق به أن تُدار منافساتُه بعاطفةٍ عابرةٍ أو مصلحةٍ ضيقةٍ، وإنما بمعاييرَ عادلة تصون الجهد الإبداعي وتمنحه تقديرًا مستحقًّا.
** **
- كاتب وناقد مسرحي