محمد عبدالله العتيبي
لست بقارئ نهم للكتب، ولا ممن يحرصون على جمعها والسفر من أجل الحصول على جديدها ونوادرها - وأتمنى أن أكون كذلك - ولكن ما أستطيع قوله إن هناك أحداثا ومؤشرات مبكرة منذ الصغر تشير بأن لدي قابلية لتلقي المعرفة وحب سبر أغواره، والمعرفة هي كما يعلم الجميع تتنوع وتتعدد مصادرها، والإنسان بطبعه البشري يؤثر ويتأثر، ولكن هذا التأثر والتأثير بدرجات ويختلف من شخص لآخر.
وبالنسبة لي كانت مصادر التلقي المعرفية ما بين مكتبة المدرسة وأول كتاب حصلت عليه وما بين الصحف والمجلات والاستماع للإذاعة ومشاهدة التلفاز وحلقة والدي -رحمه الله- في البيت إضافة لتأثرنا بعكوف أخي الذي يكبرني على الكتب وحبه لها.
كانت مكتبة المدرسة من الذكريات الجميلة لي في المرحلة المتوسطة - أيام أزمة الخليج غزو العراق للكويت - حيث كنا ننتظر «مادة المكتبة» بكل شوق من أجل الذهاب لها وكنا نتسابق لدخولها مع التزامنا بتوجيهات معلمها التي كنا ننفذها بحذافيرها؛ من خفض الصوت والحفاظ على الكتب إلى اختيار كل طالب لكتاب يقرأه بهدوء حتى تنتهي الحصة بشرط ألا ينشغل بالحديث مع زملائه.. الخ، وكنا نجد في تلك الحصة اليتيمة وسط الأسبوع متعة كبيرة تروى شغف عقولنا الصغيرة للمعرفة واكتشاف كل جديد، ولا أنسى أول كتاب حصلت عليه وقرأته كان في تلك الفترة من زميل كان يحمل في يده كتابا قديما لابن القيم -لا يحضرني اسمه بدقة، ولكن أعتقد أنه كان يتحدث عن الحب- وأعطاني الكتاب أثناء خروجنا من المدرسة.
وكنا في ذلك الوقت نقرأ بعض الصحف السعودية اليومية المشهورة كالرياض والجزيرة والرياضية والحياة والشرق الأوسط وبعدها المسائية التي لم يطل بقائها فانقطعت مبكراً ثم الوطن، وكذلك بعض المجلات التي كنا نشتريها بشكل أسبوعي مثل: (فواصل، وأصداف، والمختلف، وليلة خميس، وبروز.. إضافة لبعض المجلات العربية كسيدتي والنهضة واليقظة ونصف الدنيا وغيرها الكثير، كنا في اليوم الواحد نقرأ مالا يقل عن ثلاثة صحف بشكل مستمر، بل واشتركنا كغيرنا بها مع مرور الوقت من خلال الصناديق التي تمنح للمشتركين، وكان الفضل الأكبر بعد الله -عزوجل- لأخي الذي يكبرني مباشرة حيث كان حريصًا على القراءة وهو من حببنا بها.
وأتذكر حينها كانت الجريدة بنصف ريال حيث كنت أشتريها من مصروفي الخاص (3 ريالات) بعد خروجي من المدرسة حيث كنت أوفر منه لشرائها ثم أصبحت بعد ذلك بريال واحد وشخصياً كنت أشتري صحيفتي النبأ والسياسة الكويتيتان إضافة لما سبق حيث كانتا في ذلك الوقت متواجدتين وبقوة على أرفف البقالات والمكتبات مع بعض الصحف العربية الشهيرة.
وفي بيتنا كان والدي -رحمه اللّه- يقتني عدة كتب أغلبها دينية أتذكر منها: كتاب رياض الصالحين وتفسير السعدي، والكتاب الصغير المشهور الذي لا يخلو منه كل بيت حينها كحصن المسلم، وكان رحمه اللّه يدعونا كل يوم في وقت يكاد يكون شبه ثابت (بعد المغرب) لنتحلق في حلقة أنا وأخوتي جميعا فيختار كتاباً نقرأه واحداً تلو الآخر، نصيب كل واحد منا لا يتجاوز الصفحتين، ولا أنسى أثناء وقت القهوة واجتماع الأسرة كنا نتحدث ونضحك وأخي المذكور يشاركنا الحديث ويده لاتخلو من كتاب يقرأه أو صحيفة يتصفحها، فكان وقع ذلك في نفوسنا كبيراً، فهو الذي حببنا في القراءة والمعرفة..
وبمرور الوقت أسس لنا مكتبة صغيرة قيمة تحتوي على الكتب المتنوعة، وكل ذلك حينما كانت كرة القدم واللعب بالدراجة تستنزف جل أوقاتنا في حارتنا الجميلة، وحينما « كان كاتب هذه الأسطر تطربه أغاني خالد عبدالرحمن وهو خلف مقود سيارته - داتسون غمارة موديل 81 - بل كان مستمعاً جيداً للكثير من المغنين والمغنيات العرب ويطربه إنتاجهم وحتى بعض الأغاني الأجنبية ولقصائد بعض الشعراء كذلك، وتجاوز الأمر ذلك بأن كان ينسخ ويسجل على مسجله الخاص!).
وأما التلفاز والإذاعة فقد كان لهما شأن كبير في تحصيلنا المعرفي، فلا أنسى البرامج التلفزيونية القيمة التي كانت تغذي عقولنا كالبرنامج الشهير على (مائدة الإفطار) والبرنامج الثقافي (حروف) وبرنامج (سباق المشاهدين ) والبرامج ( المناهل ، وافتح يا سمسم، كان وأخواتها) وحتى المسلسلات التاريخية كمسلسل: (أشعب)، وغيرها الكثير، وحتى المسلسلات الكرتونية وبرامج الفوازير والمسابقات كانت هادفة وتحمل رسائل معرفية وتربوية.
وأما الإذاعة فقد كان في منزلنا حينها ذلك المذياع الروسي الشهير بحجمه الكبير والذي كان منتشرا في كثير من البيوت حينها نسمع الإذاعة من خلاله، ولا أنسى حين كنت أتسلل في كثير من الليالي لسيارة والدي -رحمه الله- (الكابريس) القديمة موديل 81 وأجلس فيها لأحرك موجات الراديو بكل شغف ولهفة بحثا عن القنوات الإذاعية، وكنت أستمتع وأنا استمع لإذاعة الرياض ببرامجها المتنوعة كبرنامج ( الأرض الطيبة ) و ( في ظلال النخيل ) و ( من البادية ) وغيرها ، وكان مايزيد استمتاعي ودهشتي في آن واحد، حينما كانت تظهر لي بعض إذاعات الخليج وأنا اتنقل بين موجات الأثير، إضافة لإذاعة مونت كارلو الفرنسية الناطقة بالعربية بترانيمها وما كان يبث فيها من ثقافة جديدة علي - وأنا في تلك السن الصغيرة- خصوصاً حينما كان الحديث عن الديانات الأخرى من بعض المذيعين أو الضيوف المختلفين عنا! وكنت أستمع لإذاعة لندن بفاصلها الشهير (هنااااا لندن) حيث كانت الفرحة لا تسعني حينها لأني كنت أشعر وكأنني ملكت العالم وقريب من الناس استمع لأخبارهم وأتعرف على ثقافاتهم، وهكذا كانت الإذاعة تأثيرها علي كبير منذ الصغر حالي حال الكثيرين من أبناء جيلي وممن سبقونا، فقد أثرت فينا وكان لها دور كبير في تشكيل شخصياتنا ومعرفتنا منذ أن وعينا على هذه الحياة في بداياتنا وكبرنا معها ولازالت ترافقنا.
وبما أننا نتأثر ونؤثِر فحري بنا أن نشجع أولادنا للمضي في سبيل المعرفة بكل أدواتها وأساليبها والتي منها ما ذكرته كالحث على مشاهدة كل ما هو نافع في التلفاز والاستماع للإذاعة، وإنشاء مكتبة في البيت -ولو كانت صغيرة- ونشر الكتب في أرجاءه لتتعود أعينهم على رؤية الكتب وكذلك أخذهم لزيارة المكتبات والملتقيات الثقافية والأدبية بين الحين والآخر وغيرها من الوسائل والطرق النافعة لنغرس في عقولهم أهمية المعرفة ليرتقوا بأنفسهم ومجتمعاتهم.