أ.د.عبدالله بن أحمد الفيفي
إنَّ النظرة العالميَّة اليوم إلى المرأة تتَّجه غالبًا إلى أنَّ عليها أن تصبح رجُلًا لتكون ذات مكانةٍ يُعتدُّ بها. وما عليك لترى شاهدًا على هذا سِوَى ملاحظة (هاليري كلينتون) في بعض خطاباتها الانتخابيَّة، على سبيل المثال، وكيف كانت تتقمَّص شخصيَّة ذكوريَّة، «حمشة»، تذكِّرك بشخصيَّة «المعلِّمة» في الأفلام الشَّعبيَّة المِصْريَّة؛ إذ تخشوشن في صوتها وهيئتها وخطاباتها؛ كي تُقنع الشارع الأميركي بأنها «كفؤة/ كفؤ» للبيت الأبيض؛ لأنها «ولا ستين رجُلًا»، أي أنها «رجُلٌ والرِّجال قليل»! كذا زعمَ (ذو القُروح)، والعهدة عليه، وهو يناقش الجنوسة وقضاياها المعاصرة. قلتُ:
ـ كأنَّ المرأة لا يمكن، إذن، أن تكون ذات مكانةٍ إلَّا بأن تغدو رجُلًا، حتى في (الولايات المتَّحدة الأميركيَّة)!
ـ وكأنْ قد فُرض على المرأة أن لا تكون (امرأة) على طبيعتها، فإمَّا أن تكون في مصاف الحيوان، أو أن تكون رجُلًا! ففي الشَّرق كانت الصُّورة الأُولى، وفي الغرب أصبحت الصُّورة الأخرى.
ـ ولكن أين المرأة المرأة؟
ـ لا اعتراف بها في مختلف الثقافات حتى الآن، حتى من قِبَل المرأة نفسها!
ـ فماذا يعني هذا؟
ـ إنه يعني ببساطة أنَّ التصوُّر البَشريَّ لطبيعة المرأة لم يزل قاصرًا؛ فهو لا يرى وظيفة المرأة- خارج وظيفتها الأُسريَّة الأُولى- إلَّا في ثوب رجُل. وهذا مجرَّد تخلُّفٍ جديدٍ قديم. ولو أنَّ الإنسان اعترف بما خلق الله عليه المرأةَ من فِطرة، ومنحها حقوقها وَفق هذا الاعتراف، ثمَّ أقرَّ بأنها لا تَقِلُّ عن الرَّجُل ذكاءً ومقدرة على الإدارة- اعتمادًا على فكرها ومواهبها لا على عضلاتها، ومن ثمَّ تكليفها ما لا قِبَل لها به- لكان أقرب إلى إعطائها مكانتها اللَّائقة، دون ظلمها، أو مسخها، أو الزجِّ بها في معارك غير متكافئة الأطراف، تضطرُّها إلى أن تكون رجُلًا، أو لا تكون إلَّا بهيمة.
ـ المفارقة في هذا السياق أن تجد الناشطة في التيار النسويِّ تناضل ضدَّ ما تسمِّيه (الذكوريَّة)، وتتعرَّى في الوقتِ نفسه، باسم الجُرأة والحُريَّة! والسُّؤال هنا: أهي حُرَّة حقًّا؟ ولمن تتعرَّى (داعيةُ النسويَّة/ خصيمةُ الذكوريَّة) إذن؟ ألنفسها؟ أم للمرأة؟ أم لأنَّ «الدنيا حَر»؟ أم للذَّكَر نفسه، الذي تُصْلِت عليه سيف لسانها؟ فيما تُبدي له ما دون اللِّسان، جاعلةً نفسها أَمَةَ متعةٍ في بلاطه، تُرضي نزواته، وتَسرُّ ناظرَيه؟
ـ هكذا يحدث.. فمن النِّساء الشرقيَّات من يُخيَّل إليهن أنَّ حضور حُريَّاتهن تكون على «قَدِّ» غياب ثيابهن عن أجسادهن! وهُنَّ في الواقع إنما يفعلن عكس ما يدَّعين، إذ تبتذل الواحدة منهنَّ شخصيَّتها، وتُهين نفسها، فتُرضي تطلُّعات الذكور، الذين تظنُّ أنها تتحرَّر من شهرياراتهم. وهي في حقيقة الأمر إنَّما تُعيد تاريخ طبقةٍ معروفةٍ من النِّساء، كنَّ عبر تاريخهن متبذِّلات، بوصف ذلك جزءًا من وظائفهن الاجتماعيَّة، من حيث كنَّ سِلَع عرضٍ وطلب. ولذا ارتبطت حقوق المرأة وحُريَّتها بنمط المرأة الغربيَّة في مجتمعها، وجُعِل مقياس حَقِّ المرأة أن تكون نسخةً من المرأة الغربيَّة، وصُوِّرت الذكوريَّة بأنها معارَضةٌ لتلك الصُّورة المستغِلَّة للمرأة من أجل متعة الرَّجُل، إنْ بتجريدها من ثيابها، أو بإلغاء طبيعتها ودورها في الحياة، وغالبًا بكليهما.
ـ وهنا المفارقة الأخرى، والعمَى الثقافي، في مجتمعٍ عاش على فيروسات التقليد في كلِّ اتِّجاه، إنْ للقديم أو للحديث، وإنْ للتراث أو للغريب!
ـ وذاك هو التخلُّف بعينه، وإنْ أُلبِس لبوس التحضُّر المادِّي. لأنَّ التحضُّر أُنظومة من القِيَم الإنسانيَّة، آخذة بالحُريَّة والعدالة وما يرفع مستوى حياة الإنسان. والحُريَّة لا تكون بتسيير الإنسان وَفق نموذج عسفي مجتلَب، والعدالة لا تكون بمناقضةٍ لقُدرات الإنسان ومَلَكاته واستعداداته، وحياةُ الإنسان لا ترتفع- بل لا تكون- بمضادَّتها للطبيعة. ولهذا ستجد حقوق المرأة أكثر صيانةً طبيعيَّةً في تلك المجتمعات البسيطة التي لا تشطح وراء هذا الرَّكْب أو ذاك: وراء رَكْب التغريب أو رَكْب التشدُّد، باسم الدِّين أو العادات والتقاليد.
ـ والعادات والتقاليد قد تتحوَّل إلى أديان بدَورها، أي أنَّها كثيرًا ما تتحوَّل إلى ما يُشبِه الشعائر الدِّينية.
ـ صدقتَ. نضرب على ذلك مثلًا. يقف المجتمع عادةً ضدَّ كلِّ جديد، وإنْ كان مفيدًا، لا لشيءٍ إلَّا لأنَّه يكسِر العادة، والإلف. فمثلًا لما عُرِفت مكبِّرات الصوت في القرن الماضي، وأُريدَ استعمالها في المساجد، أنكر ذلك من أنكره بشِدَّة، بحُجَّة أنه خلاف المعتاد، ولم يكن معروفًا في تاريخ الإسلام، فضلًا عن كون تلك المخترعات من صناعة «الكُفَّار»، والعياذ بالله؛ فالمسلمون لا يصنعون شيئًا ولا يخترعون، وإنَّما هم مشغولون بالتحريم والإنكار! وما أكثر ما لم يكن معروفًا في التاريخ ولم يعتده الناس ولم يصنعه المسلمون! وهكذا يتَّخذ الإنكار صبغة دِينيَّة. ثمَّ لمَّا اعتاد الناس ذلك، حتى رسخ في حياتهم، بل بالغوا فيه كعادتهم، بحيث استفحل بصورةٍ غير معقولةٍ من التفنُّن في الإزعاج، فأُريدَ ترشيد الاستخدام، بقَصْر استعمال مكبِّرات الصوت على الأذان والإقامة، ضجَّ أحفاد أولئك المنكرين بالأمس- على استعمال مكبِّرات الصوت- ضِدَّ ترشيد استعمال مكبِّرات الصوت اليوم، بل تفنَّنوا كأجدادهم في جلببة الأمر بجلابيب دِينيَّة. وتلك هي العادات وما تفعله في المجتمعات التي لا تحكمها القوانين، بل تحكمها العادات والتقاليد.
ـ لكنَّ داء التقليد والاتِّباع قديم في الثقافة العَرَبيَّة وغيرها، يا (ذا القُروح).
ـ ليس هذا محلَّ خلاف. ولا أدلَّ على هذا من أنَّ الفلاسفة العَرَب القدماء، إنْ صحَّت عليهم هذه التسمية، مثل (ابن سينا)، و(الفارابي)، و(ابن رشد)، إنَّما كانوا يدورون في فلك أساتذتهم من (اليونان)، ممَّن ينعتونهم بمعلِّميهم الأوائل.
ـ أيحقُّ لـ(جليليو) الاستبصار والنقد هاهنا أن يضرب الأرض برجله، قائلًا: «ومع ذلك ففلاسفتنا أيضًا إنَّما كانوا يدورون»؟!
ـ يحقُّ له! غاية ما كانوا يفعلون أن يلخِّصوا، أو يشرحوا، ليردِّدوا في النهاية، دون أن يُبدِعوا بأنفسهم جديدًا يُذكر. وحينما يفاخِر العَرَب اليوم بأنَّ المدرسة الرُّشديَّة قد شكَّلت حضورًا غربيًّا في العصر الحديث، فإنهم ينسون أو يتناسون أنَّ (ابن رشد) إنَّما كان بمثابة الوسيط، أو السِّمسار، لبيع بضاعة الغرب إليه، ممَّا كان قد فُقِد من الأيدي؛ فتلك بضاعتهم رُدَّت إليهم بواسطة السِّمسار الكبير ابن رشد.
ـ على أنَّ لـ(ابن سينا) مكانته الطبيَّة المحسوبة له حقًّا.
ـ أتعرف لماذا؟
ـ لماذا؟
ـ لأنه في هذا المجال العِلمي (الطِّب) ما كان له من مناصٍ عن الاستقلال بشخصيَّته، فأبدعَ، وتركَ بصمته الفارقة في هذا المجال. أمَّا في الفلسفة، فكانوا- وليس (ابن سينا) هاهنا استثناءً- حتى حينما يشرحون، يقعون في الأخطاء الفاحشة؛ لعدم معرفتهم باللُّغة اليونانيَّة أصلًا، ولجهلهم بثقافتها النوعيَّة المختلفة عند الثقافة العَرَبيَّة؛ تلك الثقافة التي انبثقت عنها المصطلحات والمفاهيم. ولذا وقع (ابن رشد) وغيره في سوء الترجمة والفهم، عن التطرُّق إلى مصطلحات مثل (المحاكاة) و(التراجيديا) و(الكوميديا) وغيرها من كلام (أرسطو). وتظلُّ الترجمة خيانة، إمَّا بالجهل، أو بعدم الأمانة.(1)
ـ لكن هل كانت الحال لدَى التيَّار المعاكس، أعني الاتباعيِّين أو التراثيِّين، أحسن حالًا؟
ـ نعم. كان يبدو الاتباعيُّون في التيَّار المعاكس- كما تبدَّى لدى (أبي حامد الغزالي)- أحسن حالًا بالفعل، وأقرب رشدًا؛ من حيث كان الرجل يحاول أن يفكِّر نقديًّا، ويبحث جاهدًا في تراثه عن البدائل لذلك الفكر المستورد، الذي ينتمي إلى شعوبٍ أخرى، عاشت قبل مئات السنين، وإلى ثقافات مغايرة لثقافته، في معطياتها الإنسانيَّة والاجتماعيَّة والفكريَّة. وقد تجلَّى هذا التيَّار حتَّى في أدق التفاصيل، كتعريب المصطلح أحيانًا، مثل تعريب مصطلح (جغرافيا) بـ«صورة الأرض»، لدَى (أبي جعفر الخوارزمي، -232هـ)، في «كتاب صورة الأرض»، على سبيل النموذج، وهو تعريبٌ مطابق للمصطلح اليوناني. وهذا هو الوجه الآخَر لما كان يحدث في تراثنا، بعيدًا عن الانبهار المطلق، الذي كان يأخذ بتلابيب التيار المقابل، ولا سيما التيار الفلسفي المشار إليه. مع الاعتقاد الطفولي لدَى هذا التيار أنَّ أولئك (اليونان) هم «قادة الفكر» البَشري قاطبة، وفي كلِّ زمان ومكان، كما نعتهم (طه حسين) في أحد كتبه، بعنوان «قادة الفكر»، يعني (سقراط)، و(أفلاطون)، و(أرسطو)، و(جالينوس)، ومن إليهم. والعربيُّ مولعٌ أبدًا بالقائد، وإنْ كان قائدًا من ورق! مع أنَّ هؤلاء القادة كانوا في الحقيقة ينتمون إلى ثقافةٍ بدائيةٍ وثنيَّة، متخلِّفة فكريًّا جدًّا، مهما قيل من بَعد عن قيمة نتاجاتهم الرياضيَّة أو الطبيَّة أو الحِكَميَّة. غير أنَّهم (الإغريق)، يا سادة! كان يكفي أن يرى المشرقيُّ تمثال أحدهم ليخرَّ ساجدًا، حقيقةً أو مجازًا، أو قل: فكرًا وتفلسفًا.
**__**__**__**__**__**
(1) ويمكن أن تضرب مثلًا على هذا النوع الأخير بترجمة (جابر عصفور) مصطلح (مقالة) إلى (محاولة)، في ترجمته كتاب (نورثرب فراي Northrop Frye)، «Anatomy Criticism: Four Essays»، إلى: «تشريح النقد: محاولات أربع»! فصارت لديه (المقالات): (محاولات). وكذا ترجمَ عنوانات الفصول. وهذا النوع من الخيانة يقع مع سبق الإصرار والترصُّد؛ إذ لا يشفع لها أنَّ في ظِلال المعنى ملمح «محاولة». مع أنَّ المترجم لم يقدِّم تسويغًا كهذا لذلك الشرود في ترجمة المصطلح. وفي كلِّ عملٍ ذلك الملمح من «المحاولة» في النهاية. وما دام الم ؤلِّف لم يكتب «محاولات»، بل كتب «مقالات»، وهو بالفعل يقصد «مقالات» لا «محاولات»، فليس من حقِّ المترجم تقويله ما لم يقُل. وفي هذا التصرُّف، إلى خيانة الأصل المترجَم، تقليل من دلالة المحتوى؛ بتحويل «المقالة» إلى محض «محاولة». صحيح أن فراي قد كتب في مقدِّمته الجدليَّة:
«THIS BOOK consists of «essays,» in the word»s original sense of a trial or incomplete attempt.»
ويبدو هذا ما أملى على المترجم القفز مباشرة إلى استعمال مصطلح «محاولات»، بدل «مقالات»، مع حذف العبارة الإيضاحيَّة من كلام فراي حول ما يتضمَّنه مصطلح essays من دلالات، لكنه لم يسأل نفسه: علام، إذن، لم يستعمل فراي: trials، أو attempts؟ كما فعل هو؟ هذا نموذجٌ إيضاحيٌّ من ضروب الخيانات في الترجمة.
** **
- (العضو السابق بمجلس الشورى- الأستاذ بجامعة الملِك سعود)