خالد محمد الدوس
في عالم يزداد ترابطًا وتعقيدًا، لم يعد الفرد مجرد كيان منعزل بخصائصه المستقلة، بل أصبح عقدة في نسيج واسع من العلاقات والتأثيرات المتبادلة. تمثل (نظرية الشبكات الاجتماعية) نقلة نوعية في العلوم الإنسانية والاجتماعية، حيث تحوّل الاهتمام من دراسة خصائص الأفراد إلى دراسة الأنماط العلائقية التي تربطهم. تقدم هذه النظرية إطارًا منهجيًا ونظريًا لفهم كيفية تأثير بنية العلاقات الاجتماعية على سلوك الأفراد والمجموعات، وفرصهم في الحصول على المعلومات والموارد، بل على تشكيل هوياتهم. تهدف هذه الزاوية الثقافية.. إلى استعراض الأسس الفكرية لهذه النظرية، واستكشاف جذورها التاريخية وأبرز الرواد الذين أسهموا في بلورتها، مع تسليط الضوء على مفاهيمها الأساسية وتطبيقاتها المعاصرة في عصر الرقمنة.
وبالطبع لم تنبثق نظرية الشبكات الاجتماعية من فراغ، بل تضرب بجذورها في أعمال كبار علماء الاجتماع الكلاسيكيين. ففي مطلع القرن العشرين، شدد كل من مؤسس علم الاجتماع الأكاديمي الفرنسي ( إميل دوركايم)، ورائد دراسة التفاعل الاجتماعي الألماني (جورج زيمل) على أهمية دراسة أنماط العلاقات بدلًا من خصائص الأفراد المنعزلين، حيث رأى (زيمل) أن المجتمع يتشكل من خلال تفاعلات الأفراد بعضهم مع بعض. ومع ذلك، فإن التحوّل من الفكرة الفلسفية إلى المنهج العلمي بدأ يتشكل في ثلاثينيات القرن العشرين على يد رائد هذا الاتجاه السوسيولوجي وهو (جون بارنز) في عام 1954، كان عالم الأنثروبولوجيا الاجتماعي النرويجي (جون بارنز) أول من استخدم مصطلح «الشبكة الاجتماعية» بشكل منهجي ودقيق. في دراسته لمجتمع صيد أسماك في النرويج، وجد أن العلاقات الاجتماعية تتجاوز التصنيفات التقليدية مثل العشيرة أو القرية أو الطبقة. استخدم بارنز مفهوم الشبكة لتحليل هذه العلاقات المتشابكة التي تربط الأفراد عبر الحدود المؤسسية والجغرافية التقليدية.
ففي خمسينيات وستينيات القرن العشرين شهدت تطورًا كبيرًا في أساليب تحليل الشبكات، بفضل جهود مجموعة من العلماء. ففي قسم الأنثروبولوجيا الاجتماعية في جامعة مانشستر، وتحت تأثير ماكس غلوكمان، طور باحثون مثل (إليزابيث بوت) مفهوم الشبكة لدراسة العلاقات الأسرية وأنماط الصداقة في المجتمعات الحضرية . كما ساهم باحثون في جامعة هارفارد، أمثال عالم الاجتماع الامريكي (هاريسون وايت)، في تطوير النمذجة الرياضية والتحليل البنيوي للشبكات، مما مهد الطريق لانضباط أكثر صرامة في هذا المجال. يعد كتاب «البنية الاجتماعية: مقاربة شبكية» لوايت وطلابه علامة فارقة في هذا السياق.
لا يمكن الحديث عن نظرية الشبكات الاجتماعية دون التوقف عند الإسهام الجوهري لعالم الاجتماع الأمريكي (مارك غرانوفيتر) الذي يعد بجدارة أحد أكثر المفكرين تأثيرًا في هذا المجال، وذلك بفضل نظريته حول «قوة الروابط الضعيفة» التي نشرها في مقالته الشهيرة عام 1973.. وتتلخص نظرية غرانوفيتر في التمييز بين نوعين من الروابط الاجتماعية:
الروابط القوية.. وهي العلاقات الوثيقة مع العائلة والأصدقاء المقربين. تميل هذه الروابط إلى تكوين «عناقيد» أو مجموعات متماسكة ومنغلقة على نفسها، حيث يتشارك الجميع المعلومات ذاتها.
الروابط الضعيفة، وهي العلاقات مع المعارف، والزملاء البعيدين، والأشخاص الذين نلتقيهم بشكل عابر.
في كتابه الرائد «الحصول على وظيفة» عام 1974، أثبت غرانوفيتر أن الباحثين عن عمل غالبًا ما يحصلون على فرص عمل حاسمة ليس من خلال علاقاتهم القوية، بل من خلال «الروابط الضعيفة». لماذا؟ لأن هؤلاء المعارف يتحركون في دوائر اجتماعية ومهنية مختلفة، وبالتالي يمتلكون معلومات جديدة وغير متاحة داخل دائرة العلاقات القوية المغلقة. تؤدي الروابط الضعيفة وظيفة «الجسور» التي تربط بين مجموعات مختلفة من الشبكات الاجتماعية، مما يسمح بتدفق المعلومات الجديدة والأفكار المبتكرة والفرص غير المتوقعة. أحدث هذا الاكتشاف تحوّلًا جذريًا في فهمنا لرأس المال الاجتماعي وكيفية انتقال المعلومات والمزايا في المجتمع .. وفي سياق المفاهيم الأساسية والاتجاهات التحليلية لهذه النظرية.. فقد تأسست «نظرية الشبكات الاجتماعية» على مجموعة من المفاهيم الأساسية التي تتيح تحليل البنى الاجتماعية بدقة:
- العقد.. وهي أي فاعل في الشبكة (فرد، منظمة، دولة)، والرابطة هي العلاقة التي تربط بين عقدتين (صداقة، تدفق أموال، تعاون علمي).
- المركزية.. تشير إلى أهمية أو نفوذ عقدة معينة داخل الشبكة. هناك عدة أنواع للمركزية، مثل مركزية الدرجة (عدد الروابط المباشرة للعقدة)، والمركزية البينية (مدى توسط العقدة في أقصر المسارات بين العقد الأخرى)، مما يجعلها «جسرًا» أساسيًا.
- الكثافة.. نسبة عدد الروابط الفعلية في الشبكة إلى إجمالي عدد الروابط الممكنة. تشير الكثافة العالية إلى تماسك المجموعة ولكنها قد تعني أيضًا انغلاقها على نفسها.
- الترابط المتعدد.. وجود أكثر من نوع واحد من العلاقات بين عقدتين (مثلًا، زميلان في العمل وصديقان في نفس الوقت)، مما يزيد من قوة الرابطة.
- الفجوات البنيوية.. مفهوم طوره (رونالد بيرت)، ويشير إلى غياب الروابط بين جزأين مختلفين من الشبكة. الأفراد الذين يستطيعون سد هذه الفجوات (وظيفة الوساطة) يحصلون على ميزة تنافسية كبيرة، لأنهم يتحكمون في تدفق المعلومات والموارد بين هذه الأجزاء.
لم تبقَ نظرية الشبكات الاجتماعية حبيسة (إكاديميًا)، بل وجدت تطبيقات واسعة في مجالات حيوية متعددة. في المجال الأمني والاستخباراتي، تُستخدم تقنيات تحليل الشبكات الاجتماعية لرسم خرائط للتنظيمات السرية، سواء كانت خلايا إرهابية أو شبكات جريمة منظمة، بهدف تحديد القادة وأكثر العقد تأثيرًا لتعطيل عمل الشبكة . كما تلعب النظرية دورًا محوريًا في فهم الانتشار، سواء كان انتشار الأمراض أو انتشار الأفكار والابتكارات (نظرية نشر المبتكرات).
مع ظهور الإنترنت وثورة الإعلام الاجتماعي، وجدت نظرية الشبكات الاجتماعية أرضًا خصبة لتطبيقات غير مسبوقة. فقد أصبحت منصات مثل فيسبوك وتويتر نفسها شبكات اجتماعية هائلة قابلة للتحليل. يستخدم الباحثون أدوات مثل برنامج (NodeXL) لجمع وتحليل البيانات الضخمة من هذه المنصات، لاستخراج أنماط السلوك، وتتبع حركة الرأي العام، ودراسة كيفية تشكل الحركات الاجتماعية الرقمية وتأثيرها على أرض الواقع.
والخلاصة لم تعد نظرية الشبكات الاجتماعية مجرد أداة تحليلية، بل أصبحت نظرة للعالم ترى أن الواقع الاجتماعي نفسه هو في الأساس شبكة من العلاقات المتداخلة بين الكيانات (أفراد، دول، منظمات).