تُعدّ منطقة جازان إحدى المناطق السعودية ذات العمق التاريخي والثقافي، بما تحمله من إرث حضاري، ولهجة محلية، وعادات اجتماعية، وفنون شعبية أسهمت عبر الزمن في تشكيل هوية إنسان المكان وخصوصيته. غير أن المتابع للمشهد الثقافي والاجتماعي في جازان اليوم يلحظ تراجعًا ملحوظًا في حضور هذه الهوية، في ظل تحوّلات اجتماعية متسارعة أثّرت في ملامحها وأضعفت حضورها في الحياة اليومية.
ولا يمكن النظر إلى هذا التحوّل بوصفه ظاهرة سلبية مطلقة، فالتغيّر سنة من سنن المجتمعات الحيّة، والتفاعل الإنساني أحد مظاهر الانفتاح والتطوّر. غير أن الإشكالية تبرز حين يكون هذا التغيّر على حساب الهوية الثقافية المحلية، وحين يفقد المجتمع أدوات الحفاظ على خصوصيته، لتصبح ملامحه أقل وضوحًا، ولغته وعاداته في تراجع مستمر.
لقد شهدت بعض عناصر الثقافة الجازانية الأصيلة تراجعًا لافتًا؛ حيث انحسر استخدام اللهجة المحلية في الفضاء العام، وتبدّلت بعض العادات الاجتماعية، وضعف حضور الفنون الشعبية والتراث الشفهي، في ظل محدودية التوثيق والدعم المؤسسي. ولا يمكن فصل هذا الواقع عن غياب مشروع ثقافي متكامل يُعيد الاعتبار للهوية المحلية، ويجعلها جزءًا فاعلًا من المشهد الثقافي الوطني، لا مجرد موروث يُستدعى في المناسبات.
ومن المهم التأكيد أن القضية لا تتعلّق بوجود ثقافات أخرى أو بتعدّد الخلفيات الاجتماعية، فالمملكة بطبيعتها وطن للتنوّع والتكامل. إنما تكمن الإشكالية في ضعف الوعي بأهمية حماية الهوية المحلية، وفي غياب المبادرات التي تُعزّز حضورها، وتمنح أبناء المنطقة دورًا أساسيًا في تمثيل ثقافتهم والتعبير عنها.
إن الحفاظ على هوية جازان مسؤولية مشتركة، تبدأ من الأسرة، وتتكرّس في المدرسة، وتتعزّز عبر المؤسسات الثقافية والإعلامية. ويتطلّب ذلك العمل على:
توثيق التراث الجازاني المادي وغير المادي وفق منهج علمي.
دعم الفنون الشعبية واللهجة المحلية بوصفهما جزءًا من التنوع الثقافي الوطني.
تقديم خطاب إعلامي متوازن يعكس تاريخ جازان وعمقها الحضاري.
تمكين أبناء المنطقة من الإسهام في صياغة خطابها الثقافي وتمثيلها الحقيقي.
إن جازان، وهي جزء أصيل من النسيج الوطني، لا تقف في مواجهة التنوّع، ولا تعادي التغيّر، لكنها في الوقت ذاته لا ينبغي أن تفقد ملامحها الخاصة. فالهوية حين تُهمَل لا تختفي فجأة، بل تتآكل تدريجيًا، حتى يصبح استعادتها أكثر تعقيدًا.
إن حماية هوية جازان ليست ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة وطنية، لأن قوة الوطن تتجلّى في وضوح هوياته المحلية وتكاملها ضمن الهوية السعودية الجامعة. وجازان تستحق أن تُحفظ بهويتها الأصيلة، حاضرة في الوعي، وفاعلة في الحاضر، وممتدة بثقة نحو المستقبل.
** **
- فاطمة الجباري