د. أحمد الحمدة
تعد السياحة واحدة من أكثر الصناعات تأثيراً ونمواً في العالم المعاصر، حيث تجاوزت مفهومها التقليدي كمجرد نشاط ترفيهي لتتحول إلى صناعة معقدة ومتشابكة مع معظم القطاعات الاقتصادية. فهي تشمل نطاقاً واسعاً من الأعمال والمنظمات والمؤسسات الحكومية التي تعمل معاً لتقديم تجربة سياحية متكاملة، بدءاً من التسويق الأولي للوجهات وصولاً إلى إقامة العلاقات التجارية والثقافية بين الشعوب.
وتعرف السياحة بأنها قضاء الوقت خارج المنزل بغرض الترفيه والمتعة والاسترخاء، والاستفادة من الخدمات التجارية، مع تداخلها مع أنشطة أخرى مثل الحج والسياحة العلاجية وسياحة الأعمال. وقد أصبحت هذه الصناعة المحرك الرئيس والديناميكية الحيوية لتطور اقتصاد العديد من الدول، حيث توفر فرص العمل ليس فقط في المجال السياحي المباشر وإنما في قطاعات المقاولات والخدمات المساندة.. إذ لعبت العولمة دوراً محورياً في التوسع السريع للسياحة عبر التغييرات التي أحدثتها في مختلف المجالات. فقد ساهم تحرير النقل الجوي في دعم ظهور الرحلات المستأجرة وشركات الطيران منخفضة التكلفة، مما جعل السفر متاحاً لشرائح أوسع من المجتمع. كما أسهمت التكنولوجيا الرقمية ووسائل التواصل الاجتماعي في تغيير أنماط التسويق السياحي، وأصبحت الإنترنت عاملاً مساعداً قوياً في الترويج للوجهات السياحية وتوفير المعلومات للسياح المحتملين.
وللسياحة الحديثة.. ومع التحولات الاقتصادية والتحديات الثقافية وصعود الفضاءات الرقمية والتغيرات الاجتماعية التي يشهدها عالمنا اليوم أنواعا أبرزها:
- السياحة العلاجية: السفر بهدف العلاج والاستجمام في المنتجعات الصحية والمراكز الطبية المتخصصة، كما هو الحال في فرنسا وألمانيا ودول شرق أوروبا وآسيا.
- السياحة البيئية: السفر لزيارة المحميات الطبيعية والمناطق البيئية الفريدة، مثل المحميات الطبيعية في إفريقيا وغابات الأمازون.
- السياحة البحرية: المنتشرة بشكل كبير في المناطق الساحلية مثل: مشروع البحر الأحمر، أملج، أغادير، شرم الشيخ، والإسكندرية.
- سياحة المؤتمرات والمعارض: وتشمل حضور المؤتمرات الدولية والفعاليات الكبرى التي تنظم في العواصم والمدن الكبرى مثل معارض الكتاب الدولية وغيرها.
- سياحة التسوق: السفر بغرض التسوق من الدول التي تتميز بمراكز تجارية ضخمة وجودة الأسعار مثل دبي ولندن وباريس وميلانو.
- السياحة الرياضية: وتنشط في المناطق المنظمة للمحافل الرياضية كالألعاب الأولمبية وكأس العالم، وهي تنقسم إلى قسمين: لممارسة الرياضة أو لمتابعة المسابقات الرياضية.
- السياحة الدينية: السفر بهدف زيارة الأماكن المقدسة مثل مكة والمدينة.
- السياحة الثقافية والتراثية: السفر بغرض التعرف على ثقافات وحضارات الشعوب عبر التاريخ، وزيارة المتاحف والمواقع الأثرية مثل مدائن صالح بالعلا. حي طريف بالدرعية، سوق عكاظ بالطائف. ومتحف اللوفر في باريس.
ومع تزايد الوعي البيئي والاجتماعي، برز مفهوم «التنمية السياحية المستدامة» الذي يسعى إلى تحقيق التوازن بين الاستفادة الاقتصادية من السياحة والحفاظ على الموارد البيئية والثقافية. ويشمل هذا المفهوم استخدام الموارد بكفاءة، وتقليل البصمة الكربونية للسياحة، والحفاظ على التنوع البيئي والثقافي. وتهدف السياحة المستدامة إلى تحسين تجربة السياح مع ضمان استفادة المجتمعات المحلية من العوائد السياحية، والمحافظة على المواقع الطبيعية والتراثية للأجيال القادمة. وقد نجحت دول مثل كوستاريكا في تطبيق هذا النموذج، حيث تركز على الحفاظ على الغابات المطيرة وتشجيع السياحة البيئية، مع حماية أكثر من 25 % من أراضيها كمحميات طبيعية.
تظل صناعة السياحة واحدة من أكثر القطاعات الاقتصادية ديناميكية ونمواً في العالم، فهي ليست مجرد مصدر للدخل وفرص العمل فحسب، بل هي أيضاً جسر للتواصل الحضاري والتبادل الثقافي بين الشعوب. وقد أثبتت التجارب أن هذه الصناعة قادرة على تجاوز الأزمات والصعوبات، فهي مرتبطة بالرغبة الإنسانية الفطرية في المعرفة والاكتشاف وتخطي الحدود.
إن نجاح صناعة السياحة في المستقبل يعتمد بشكل كبير على قدرتها على التكيف مع المتغيرات العالمية، وتبني مفاهيم الاستدامة، والاستفادة من التكنولوجيا الحديثة، مع الحفاظ على الأصالة والتراث الثقافي. والدول الأكثر تطوراً وتفهماً وانفتاحاً هي القادرة على استثمار إمكانات هذه الصناعة الواعدة، وتحويلها إلى أداة فعالة للتنمية المستدامة التي تصب في مصلحة الاقتصاد المحلي والسكان والمحافظة على الموارد للأجيال القادمة.