أحمد بن محمد الشريدي
هنيئا لأصحاب القلوب الطيبة النقية الذين يؤثرون الناس على أنفسهم ويأسرون النفوس بنبلهم وكرمهم وبمواقفهم الراقية، ويتحملون كل ما يوذي طيبتهم وانسانيتهم وعطائهم ويواجهون الإساءة بالحسنة، والشح بالجود، والبخل بالكرم، والأذى بالحلم، والظلم بالعفو، والعداوة بالاحتواء والاحتساب، ويتحلون بقوة التحمل والصبر والاحتساب، والصابرين عظم الله فضلهم ومكانتهم فوهبهم جل جلاله حبه، ووعدهم بالوقوف معهم {وَاللّهُ يُحِبُّ الصَّابِرِينَ}، {إِنَّ اللّهَ مَعَ الصَّابِرِينَ}، فما أعظمه من وعد وما أعظمها من منزله حقاً إنها دماثة الخلق، ورجاحة العقل، وباب من أعظم أبواب الخير والتوفيق والفلاح والبركة والأجر الجزيل والرفعة في الدنيا والآخرة، لذلك نقاء القلوب ونفع الناس وتفريج كرباتهم، أو تحمل أذيتهم هي التي تبلغ بصاحبها ما لا يبلغه بالصيام والقيام ولا حتى أموال و لا ملايين الدنيا.
قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: (أَحبُّ الناس إلى الله أنفعهم للناس، وأحب الأعمال إلى الله سرورٌ تدخله على مسلم، أو تكشف عنه كربة، أو تقضي عنه دينًا، أو تطرد عنه جوعًا، ولأن أمشي مع أخي المسلم في حاجة أحبُّ إلىَّ من أن أعتكف في هذا المسجد شهرا..) و قال الله تعالى: {وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ}، {وَمَا تَفْعَلُواْ مِنْ خَيْرٍ يَعْلَمْهُ اللّهُ}، {وَلْيَعْفُوا وَلْيَصْفَحُوا أَلَا تُحِبُّونَ أَن يَغْفِرَ اللَّهُ لَكُمْ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}.
الله أكبر .. ماذا نرجو أكثر من مغفرة الله ورضاه، ومن رفعة وثواب وعند من؟
عند رب العزة والجلال الذي بيده ملكوت كل شيء الخير، والعوض، والرزق والبركة والصحة والعافية والهداية، بمعنى أن نقاء القلوب وطيب النفوس والعفو والصفح والتسامح نعمة عظيمة والموفق المبارك من يحظى تلك الفضل و{ذَلِكَ فَضْلُ اللَّهِ يُؤْتِيهِ مَن يَشَاء}.
الأمر الذي يجعل التعامل مثل هذه المواقف يختلف من شخص لآخر، كون الآراء تختلف والعقول تختلف، والقلوب ودرجة الإيمان، وتقدير المواقف هل هي علو ورفعة أم خضوع وانتقاص ولكن الفيصل هنا هو الرجوع إلى منهج الله و رسله فصبر أولي العزم من الرسل هو أعظم الصبر؛ لأنهم واجهوا من الأذى ما لم يواجهه نبي قط، وقد جاء التنويه بذكر صبرهم في قوله تعالى: {فَاصْبِرْ كَمَا صَبَرَ أُوْلُوا الْعَزْمِ مِنَ الرُّسُلِ}. آيات تسكب في القلوب الطمأنينة والسكينة وراحة البال، فاتبعوا منهج الله، فلن تجدوا إلا الخير وعظيم الفضل والجزاء. {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}، فسبحان الله الكريم، يوفق عباده للخير والإحسان وينسبه إليهم، ويكافئهم عليه بالإحسان أجراً جزيلاً وإحسانا! إنها آية عظيمة محفزة لحب الخير، تفتح أبواب الرجاء، وتملأ القلوب حباً وشوقاً وشكراً لواهبِ الإحسان.
فمهما قدم الإنسان من خير حتى لو مثقال ذرة، فخيره محفوظ عند رب العالمين، وإن لم تسمعوا شكراً وثناء من الناس، فقط أخلصوا النية لله سبحانه فهو الذي يجازيكم بالإحسان إحسانا.
{إِنْ أَجْرِيَ إِلاَّ عَلَى اللّهِ} كّرروها في أنفسكم عند كل عمل خير تقومون به، ولا تنتظرون جزاءً من أحد حتى من أقرب الناس إليكم، علقوا قلوبكم بالله فقط فهو وحده يجزيكم خير الجزاء.
ولعل شهر رمضان الكريم يعد فرصة عظيمة للعفو والصفح والتسامح، وللتوبة والعودة، وإصلاح فساد القلوب والجوارح، وتدارك ما مضى في زمن التفريط.
اللهم ردنا إليك رداً جميلاً وتجاوز عن سيئاتنا وتقبل صالح أعمالنا، اللهم أرزقنا الكرم والنبل وطيب النفس والوفاء والحلم ودماثة الخلق، واجعلنا ممن يحسن للخلق و يكظم الغيظ ويعفو عن الخلق، ولا يرجو إلا فضلك يا رب وإحسانك وكرمك يا رحيم يا كريم يا أكرم الأكرمين، ربنا إنا عفونا عن جميع خلقك ولا نرجو إلا كرمك وعفوك.
اللهم إنك عفو تحب العفو فأعف عنا، اللهم اغفر لنا ولوالدينا وأحبابنا والمسلمين أجمعين، وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.