عبدالعزيز صالح الصالح
قال الشاعر الحكيم:
إن العيون التي في طرفها حور
قتلتنا ثم لم يحيين قتلانا
يصرَعْن ذا اللُّبِّ حتى لا حراك به
وَهُنَّ أضعفُ خلق الله أركانا
ومنذ الخليقة فالمرء محبٌ للجمال والحسن، فقد أخذ يسعى جاهداً للبحث عنه في كل ناحية من نواحي الحياة، وبعد عناء ومشقة من البحث والتنقيب وجده في عدة جوانب من محيطه.. مناظر الطبيعة الخلابة تارة وفي شروق الشمس وغروبها تارة، وفي مياه البحار والأنهار تارة، وفي بريق النجوم ولمعانها تارة وفي السماء وزرقتها تارة، وفي الازهار والورود تارة وفي نفس المرء تارة، وفي امواج البحار تارة.
علماً، أن المرء في السابق ينظر إلى أبجديات الجمال كجملة واحدة، كما ينظر إلى العالم الذي من حوله كجملة، وإلى كل الأمور كجملة كلما تقدم به الزمن.
أخذ بعد البحث والتمحيص والنظرة الثاقبة بعيدة المدى عن تلك الأمور أخذ ينظر إلى الأمور بطريقة مفصلة، وبعد هذا وذاك أخذت الأمور تتبين له عن مواقع الجمال فدلته المقارنة عبر شروط الجمال في الأعضاء والذوق الفطري، ولعل أجمل ما في أعضاء الإنسان «عيناه» فإن كل شيء له خلاصة فخلاصة المرء عينه؛ فهي مستودع سره، وهي النافذة التي يطل منها غيره على ما في أعماق نفسه، وهي الترجمان الذي يعبر أصدق تعبير عما يجول في نفسه من عواطف تعد، وهي في كل الأحوال موقف من هذه المواقف تتخذ لها وضعاً يناسبه وشكلاً يلائمه، تتلون كما تتلون الحرباء وتتشكل كما تتشكل الحسناء في الأزياء فهي للمرأة أقوى من أي سلاح.
وفي روايات الحب والغرام، كأمهر لاعب، وفي ميدان الأدب أبرز جائل وصائل، وفي اللغة العربية من أكثر اللغات وفاء للعين واعترافاً بقيمتها فقد وضع لها بياناً كما تتحلى به العين من صفات وسموا كل نوع من الجمال باسم.
فقالوا -عينٌ نجلاء- تعني جما لها في سعتها، وعين حوراء – تعني جمالها في شدة سوادها وشدة بياضها. فإذا انتقل المرء من الحاجات الحسية إلى الحاجات المعنوية رأيت جمالاً سامياً وحسنا فائقاً فللعمل جماله وللحق جماله وللتضحية جمالها وللشجاعة جمالها ولو قدر الإنسان كل ذلك بميزان المنفعة وحدها لضاع منها أكبر قيمتها، كمن يقدر الوردة الجميلة بثمنها والشجرة الجميلة بكاملها. فإن الشعور بجمال العين تنبذ العصبية والطائفية والمذهبية وتستجمل التسامح ويسمو الدين عن سفاسف الأمور. فإن معجزة كتاب الله الكريم تتوقف على الشعور بجمال الأسلوب وفنّه في أداء أغراضه وحسن تصوره لمعانيه إلى جانب جمال البساطة وكم للبساطة من جمال؟ لولا جمال العيون لاختفى كل فن فلا أدب ولا تصور ولا نقش، فلو امعنا النظر في أمور أدق مما ذكر سلفاً لوجدنا اختلافاً للنظرات في التعبير عن كل نظره بعبارة جميلة فقال [سارقته النظر] تعني إذا نظرت إليه نظراً خفيفاً. [رنوت إليه] بمعنى أدمت النظر في سكون.
أشادت كتب الأدب العربي وكذلك الشعراء على اختلاف مستوياتهم وقدراتهم بالعين، وأخذوا يتغزلون بها* فقد قال أمرئ القيس: [وعين كمرآة الصناع تديرها].
وقال الحكيم:
غُضّى جفون السحر أو فار حمى
متيما يخشى نزال الجفون
فقد شبهت العين من قبل الشعراء بالسهم، ومنهم من وصفها بالنبل، ومنهم من وصفها بالسيف، ومنهم من وصفها بالخنجر، ومنهم من وصفها بعين الغزال.. وهكذا..
فإن إدراك المرء أهمية أوصاف العين وتفاعله معها على شكل اختلافها ودقة إدراكه وخطورتها، وقد تكون سُمّّا ناقعاً وقد ينتج عنها ما يكون دواء ناجعاً.