محمد ألفاظ
قد ترهقنا أحياناً هذه السرعة الرتيبة التي يفرضها العالم المعاصر، حتى أضحى الإنسان في «سجنٍ مفتوح»، يُعرض فيه عن التوقف والسكينة. إن السكون ليس مجرد حالة من العدمية أو الكسل المذموم، بل هو «فراغٌ خلّاق» يمهّد الطريق نحو الفكر والجمال والإبداع.
أولاً: إن الفكرة الأصيلة قد تعدلُ ثمرةَ عبادةِ سنين؛ لذا فإن اللاهثين خلف السرعة محرومون من هذا الفيض الروحي. فالخالق الذي سخر لنا ما في الأرض جميعاً، حثنا على التدبر في ملكوته والتفكر في عجائب صنعه. ومن هنا، نجد الأدباء والشعراء والفلاسفة، المتسامين بخيالهم، ينفرون من هذا التسارع المحموم، ويأوون إلى رحاب «الفراغ المبدع» بحثاً عن الحقائق.
ثانياً: إن العجلة من الشيطان كما ورد في الأثر؛ وفي عصرنا الرقمي الذي سلبنا فرصة التأمل قبل الإقدام، أضحى الخطأُ رهينَ لحظةٍ عابرة بقدر «غضّ طرف». لذا، فإنَّ جهادَ النفسِ اليومَ قد يكون أشدَّ مراساً، بل أعظمَ عند الله أجراً. ولا مراء في أن خير القرون قرن النبي - صلى الله عليه وسلم - ثم الذين يلونهم، ومع ذلك فقد منَّ الله علينا بنور الإسلام الذي يجعل المتمسك به كالقابض على الجمر وسط ركام الفوضى؛ إذ يمنحنا من اليقين ما يعيننا على تجاوز صخب هذا العصر. فمن تمسك بسنة النبي - صلى الله عليه وسلم - عند فساد الأمة، فله أجر مائة شهيد.
إنَّ التضييق على «فلسفة الراحة» ليس وليد الحداثة فحسب، بل هو فكرٌ قديم يمارس ضغطه على الإنسان منذ الثورة الصناعية. فقد كتب «بول لافارج» مقالته الشهيرة (الحق في الكسل) متناولاً حقوق العمال في مواجهة الآلة. واليوم، نرى الأحوال قد تبدلت لكن المظاهر استمرت بوجوهٍ جديدة؛ فالتطور والتقنية ليست عناصر نجاح مجردة، بل يقبع خلفها خوفٌ وجودي من فوات الفرص.
ولعل «القلق المحيط بالذكاء الاصطناعي» اليوم يصب في صلب هذه القضية؛ إذ يغنينا عن التفاصيل لكنه يستنزف حضورنا الذهني. إن أهم قضية تواجه العالم اليوم هي «الصحة النفسية»؛ بعدما خضع أغلب الناس لضغوطاتٍ بيئية وعملية واجتماعية هائلة. لذا، وجب علينا أن ننتصر لحقوق أنفسنا بالتوقف والاستجمام وسط هذا الاشتغال.
** **
- باحث في قسم اللغة والأدب، الهند