باسم سلامة القليطي
لا تخسر الأمم لغاتها فجأة، بل تتنازل عنها بالتدريج، تحت عناوين براقة، وبحجج تبدو عقلانية، حتى تستيقظ يوما لتجد أن صوتها لم يعد يشبهها.
اللغة العربية اليوم ليست في مأزق ضعف، بل في اختبار وعي: هل نراها جوهر هويتنا أم تفصيلا قابلا للتجاوز؟ من هنا، جاءت السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة العربية السعودية بوصفها موقفا ثقافيا قبل أن تكون إطارا تنظيميا، لتقول بوضوح: إن العربية ليست خيارا تجميليا في زمن التواصل الحضاري، بل ركيزة سيادة، وعنوان انتماء، وشرط بقاء.
وحين تقرأ مبادئ هذه السياسة، تشعر أنك أمام نصٍّ مشبع بالوعي لا بالبنود. العربية هنا ليست لغة رسمية فحسب، بل روح تسري في التعليم، ونبض يحيا في البحث العلمي، وصوت صادق في الإعلام، وظلٌّ وارف في الثقافة والفن، وجسر ممتد نحو العالم، وفي تفاصيل الحياة اليومية. وكأن هذه المبادئ تقول لنا: إن اللغة ليست وسيلة تواصل فقط، بل هي أداة سيادة، ومعيار استقلال، وعنوان كرامة. فمن فقد لغته، فقد جزءا من ذاته، ولو امتلك كل أسباب القوة الأخرى.
قال أمير الشعراء أحمد شوقي:
إِن الذي ملأَ اللُغاتِ محاسِنا
جعل الجمال وسره في الضادِ
لم يكن بيتاً عابراً في قصيدة، بل شهادة حضارية مكثّفة. فالضاد ليست حرفاً صوتياً فريداً فحسب، بل رمز لتفرّد هذه اللغة، وغِناها، وطاقتها التعبيرية الهائلة. لغة تستطيع أن تجمع بين الفلسفة والشعر، وبين العلم والوجدان، وبين الدقة والخيال. لغة تحمل في مفرداتها تاريخ أمة، وفي تراكيبها منطق عقل، وفي موسيقاها نبض قلب. فكيف نقبل أن تنزوي، أو تتراجع، أو تُستبدل، ونحن نملك هذا الكنز اللغوي النادر؟
ليست القضية في أن نتقن لغات العالم، فذلك باب قوة واتساع أفق، بل في أن ننسى لغتنا ونحن نلاحق غيرها. الخطر الحقيقي حين نشعر -دون وعي- أن العربية أقل قدرة على التعبير، أو أضعف حضورا، أو أقل جاذبية. حين نكتب أسماء مشاريعنا بغيرها، ونخاطب أبناء جلدتنا بغيرها، ونُزيّن واجهاتنا بغيرها، كأننا نبحث عن قبولٍ خارجي، ولو على حساب جذورنا.
هنا تبدأ الخسارة الصامتة؛ خسارة لا تُقاس بالأرقام، بل بتآكل الشعور بالانتماء، وبذوبان الخصوصية، وبفقدان تلك الرعشة الدافئة التي نشعر بها حين ننطق لغتنا الأم.
كان طه حسين واعيا بهذه المعركة منذ وقت مبكر، حين قال: «الذين ينادون بإحلال العامية لسهولتها محلَّ الفصحى لصعوبتها، هم أشبهُ بمن ينادون بتعميم الجهل لأنه سهل، وإلغاء العِلم لأنه صعب المنال». لم يكن دفاعه عن الفصحى دفاعا عن نحوٍ وصرف، بل عن وعيٍ جمعي، وعن ذاكرة أمة، وعن وحدة ثقافية تتجاوز الحدود الجغرافية. فالفصحى هي الخيط الذي يشدّ أطراف العالم العربي بعضه إلى بعض، وهي الجسر الذي يصل حاضرنا بماضينا، ويؤهلنا لصياغة مستقبلنا بثقة لا باستعارة.
الاعتزاز باللغة العربية ليس شعارا يُرفع في اليوم العالمي للغة، ولا خطبة تُلقى في مناسبة رسمية، بل ممارسة يومية تبدأ من البيت، وتُصقل في المدرسة، وتترسّخ في الإعلام، وتُحتضن في الشارع والسوق والمؤسسة. هو أن نكتب بها، ونتحدث بها، ونُبدع بها، ونستثمرها في التقنية، والبحث، والاقتصاد، والفنون.
السياسة الوطنية للغة العربية خطوة واعية في هذا الطريق، لكنها تحتاج إلى وعي مجتمعي يساندها، وإلى قناعة راسخة بأن لغتنا ليست عبئا نتحمّله، بل نعمة نعتز بها، وقوة ننهض بها، وهوية لا نساوم عليها. فاللغة، في نهاية الأمر، ليست ما نقوله فقط، بل ما نكونه.