د. رانيا القرعاوي
في بعض بيئات العمل، لا يُقاس الموظف بما يقول.. بل بكيف يقوله.
قد تُهمل الفكرة الجيدة لأن نطقها لم يكن «أمريكيًا بما يكفي»، وقد تُمنح الثقة لأن اللكنة تبدو أقرب إلى معايير غير مكتوبة. هنا لا تصبح اللغة وسيلة تواصل، بل أداة فرز.
صدور السياسة الوطنية للغة العربية في المملكة، وإلزام الشركات والمؤسسات الأجنبية باستخدام العربية في مراسلاتها مع الجهات الحكومية، ليس قرارًا لغويًا بقدر ما هو قرار تنظيمي يعيد ترتيب الأولويات داخل بيئة العمل. فاللغة في المؤسسات ليست مجرد أداة، بل بيئة تفكير.
خلال سنوات من العمل، تكرر مشهد واحد: اجتماعات تضم متحدثين عربًا بالكامل، تناقش حملات محلية لجمهور محلي، ومع ذلك تُدار النقاشات باللغة الإنجليزية باعتبارها الخيار الافتراضي. لم يكن السبب وجود شركاء أجانب، بل تحول غير معلن في الثقافة المؤسسية؛ حيث أصبحت الإنجليزية مؤشرًا ضمنيًا على الاحتراف.
هذه الظاهرة موثقة أكاديميًا فيما يُعرف بالتحيز للّكنة (Accent Bias)، وهو ميل غير واعٍ لربط الطلاقة أو اللكنة الأجنبية بالكفاءة والذكاء والقدرة القيادية. المشكلة أن هذا التحيز لا يقيس جودة الأفكار أو مستوى الأداء، لكنه يؤثر في التقييمات والترقيات والانطباعات المهنية.
الأخطر من ذلك أن التفكير بلغة ثانية يرفع ما يسمى في علم النفس بـ «العبء المعرفي». أي أن الدماغ يبذل جهدًا إضافيًا للترجمة والصياغة قبل إنتاج الفكرة نفسها. دراسات الاتصال التنظيمي تشير إلى أن هذا الجهد قد يقلل عمق النقاش وسرعته، ويجعل بعض المشاركين أكثر تحفظًا في الطرح.
في المجال الإعلامي تحديدًا، يصبح الأثر أوضح. حين تُدار المؤتمرات والندوات بلغة ليست لغة الجمهور المستهدف، قد يعتمد بعض الصحفيين على البيانات الصحفية بدل طرح الأسئلة المتعمقة، ليس لنقص في الرؤية، بل لأن النقاش لا يجري باللغة التي يفكرون بها. وهنا تتأثر جودة التغطية دون أن نشعر.
لا أحد يجادل في أهمية الإنجليزية للإعلاميين؛ فهي أداة توسّع آفاقهم وتفتح لهم قنوات التواصل العالمي. الإشكالية تبدأ عندما تتحول الأداة إلى معيار، وتُستخدم في سياقات لا تتطلبها. عندها تصبح اللغة معيارًا للتقييم، لا وسيلة للعمل.
قرار تعزيز استخدام العربية لا يعني الانغلاق، ولا استبعاد اللغات الأخرى، بل إعادة ضبط الميزان. اللغة الأقرب للتفكير تنتج نقاشًا أوضح، وتمنح الجميع فرصة متكافئة للتعبير عن أفكارهم دون تصفية لغوية مسبقة.
كما أن استخدام الإنجليزية لا يضمن الوصول إلى العالمية. دول صناعية متقدمة تدير مؤسساتها بلغاتها الوطنية، وتُنتج معرفة وصناعة تصل إلى العالم دون أن تتخلى عن لغتها الداخلية. العالمية تُبنى بالجودة، لا باللكنة.
الأثر الحقيقي لهذا القرار لن يظهر في يوم أو شهر، بل حين تتحول بيئات العمل إلى مساحات تُقيّم الفكرة لا طريقة نطقها، وتُقدَّم الكفاءة على اللهجة.
فاللغة في المؤسسة ليست مظهرًا.. بل إطار يفترض أن يخدم العمل، لا أن يعيد تعريفه.