فائز بن سلمان الحمدي
الذوقُ الاجتماعيُّ خُلُقٌ عظيم، إذا استقرّ في النفوس استقامت الأحوال، وإذا غاب تهاوت القيم وإن كثرت الشعارات. هو ثمرةُ تربيةٍ راشدة، ودليلُ قلبٍ حيّ، ووعيٍ يدرك أن الإنسان لا يعيش وحده، وأن الحياة المشتركة لا تُدار بالقوة ولا بالصوت المرتفع، بل بحسن المعاملة، ولين الجانب، ومراعاة المشاعر، وصيانة الكرامات. وليس الذوق سلوكًا طارئًا يُستدعى عند الحاجة، بل سجيّةٌ راسخة، وأدبٌ دائم، وعبادةٌ خفيّة، يظهر أثرها في الصغيرة قبل الكبيرة، وفي الخفاء قبل العلن.
وجوهر الذوق الاجتماعي انعكاسٌ لصحة الضمير، ونقاء السريرة، وحضور مراقبة الله في القول والعمل. فمن استشعر أن الله يسمع كلمته ويرى تعامله ويحاسبه على أذاه قبل إحسانه، رقّ لسانه، ولان طبعه، وتهذّب سلوكه، ولم يُطلق عبارته إلا بعد أن يزنها بميزان العدل والرحمة. فالذوق ليس مهارةً مكتسبة فحسب، بل ثمرةُ إيمانٍ يجعل صاحبه يخشى أن يجرح قلبًا، أو يكسر خاطرًا، أو يُثقل على إنسانٍ ما لا يحتمل. وفي الكلام تتجلّى أخلاق المرء، ويُعرَف معدنه، ويُقرأ باطنه قبل ظاهره. فالذوق يفرض على اللسان وقارًا، وعلى العبارة اتزانًا، وعلى الحديث مسؤولية. ليس كل ما يُعلَم يُقال، ولا كل ما يُقال يُناسب المقام، ولا كل صوابٍ يُقال بغير روية. وكم من كلمةٍ أفسدت وُدًّا، وكم من عبارةٍ قطعت وصلاً، وكم من صراحةٍ فظةٍ خلّفت في القلوب أثرًا لا يُنسى. فالذوق أن يُقال الحق بلطف، وأن يُبلّغ الصواب بحكمة، وأن تُراعى النفوس قبل أن تُنتصر الآراء. وفي المجالس يكون الذوق ميزان الحضور وحارس الهيبة. فالذوق أن يعرف الإنسان موضعه قبل أن يجلس، وحدّ حضوره قبل أن يتقدّم؛ فلا يتصدّر بغير حق، ولا يطغى بكلامه، ولا يستطيل بحديثه، ولا يفرض رأيه كأنه الحقيقة المطلقة. يعرف متى يتأخّر فيكون تأخّره أدبًا، ومتى يتقدّم فيكون حضوره إضافة لا إزعاجًا. فالمجلس أمانة، والجلوس فيه قراءة واعية للمكان والناس، لا استعراضًا ولا تزاحمًا. ويظهر الذوق بأجلى صوره عند الاختلاف، حين تتباين العقول وتحتدم النقاشات. فهنا يُختبر الحلم ويُقاس الرشد. فالذوق أن تُناقَش الفكرة لا الشخص، وأن يُحترم المخالف وإن أُخطئ، وألا يتحوّل الحوار إلى خصومة، ولا الرأي إلى معركة. ومن لم يُحسن أدب الخلاف لم يُحسن نصرة الحق، بل شوّهه بسوء أسلوبه، وأساء إليه قبل أن يُسيء إلى غيره. ويمتدّ الذوق إلى تفاصيل الحياة اليومية، فيُرى في الطريق كما يُرى في المجلس. فالذوق أن يعرف المرء أين يُوقِف سيارته، فلا يحجب طريقًا، ولا يضيّق على الناس أرزاقهم، ولا يتعدّى على حقّ غيره بحجّة العجلة أو الاستحقاق. هو إدراكٌ عمليّ أن راحته لا تُبنى على أذى سواه، وأن حقّ الطريق خُلُقٌ يُمارَس لا شعارٌ يُرفع.
وكما يَظهر الذوق في الفعل، يظهر في الصمت كما في الكلام. فالذوق أن يعرف متى يتكلّم ومتى يمسك، وأن يزن كلمته قبل أن ينطق بها. فلا يقاطع، ولا يرفع صوته، ولا يُلقي عبارته ثم يمضي. يتكلّم بقدر الحاجة، وبقدر الفائدة، وبقدر ما تحتمل القلوب، عالمًا أن للكلمة مقامًا إن أُسيء اختياره انقلبت وبالًا على صاحبها.
وفي زمن وسائل التواصل اتسع ميدان الذوق واتسع معه الحساب. فالذوق أن يُحسن الإنسان ما ينشره، فلا يُشيع كل ما يسمع، ولا يعلّق على كل ما يرى، ولا يجعل المنصّات متنفسًا لغضبه أو ساحةً لتصفية خصوماته. هو أن يسأل نفسه قبل النشر: هل في هذا نفع؟ هل فيه حفظ لكرامة؟ هل يضيف وعيًا أم يضاعف ضجيجًا؟ فالذوق الرقمي امتداد للذوق الإنساني، والكلمة المكتوبة أبقى أثرًا وأشدّ مسؤولية.
ومن الذوق صيانة الخصوصيات، وحفظ الأسرار، واحترام المسافات التي جعلها الله بين الناس رحمة لا جفاء. فلا يُلاحَق الإنسان بأسئلة لا تعنيه، ولا يُستدرج إلى كشف ما أحب ستره، ولا يُحاسَب على اختياراته الشخصية ما لم يعتدِ بها على غيره. فالنفوس حرمات، ومن اقتحمها بغير إذن فقد أساء الأدب وإن ادّعى القرب. والذوق الاجتماعي ليس مجاملاتٍ جوفاء، ولا ألفاظًا منمّقة، بل خُلُقٌ يظهر عند الغضب، وفي لحظات التوتر، وفي المواطن التي يسقط فيها التكلّف ويظهر المعدن. هو أن يكفّ الإنسان أذاه قبل أن يُكثر إحسانه، وأن يُتقن فنّ الصمت كما يُتقن فنّ الكلام، وأن يعلم أن السلامة في كثير من الأحوال في التجاوز لا في الرد. والمجتمع الذي يسود فيه الذوق مجتمعٌ تُحفَظ فيه الكرامات، وتُدار فيه الاختلافات بعقلٍ راجح وقلبٍ واسع. أما إذا غاب الذوق، تكاثرت القسوة، وتحولت الكلمات العابرة إلى قطيعة، وضاقت القلوب وإن اتسعت الأماكن. إن الذوق الاجتماعي عبادةٌ صامتة، ودليل خشية، وحسن فهمٍ لمعنى العيش المشترك؛ أن تكون بين الناس رحيم الحضور، حسن الأثر، خفيفًا على القلوب. فمن راعى الذوق راعى الله في خلقه، ولا شيء أثقل في الميزان من قلبٍ سليم ولسانٍ مهذّب وسلوكٍ لا يؤذي.