سارة ثابت
ماذا لو كان الهدوء التام في غرفة الاجتماع هو الستار الذي تختبئ خلفه الأزمات القادمة؟؟ غالبًا ما ينظر القادة إلى الخلاف داخل مجلس الإدارة كعلامة على ضعف الأداء الإداري أو تشتت الرؤية.
لكن المفارقة أن صمت أعضاء مجلس الإدارة قد يكون أخطر من الاختلاف الظاهر، بل هو مؤشر أقوى على أزمات كامنة في ثقافة الحوكمة وفن اتخاذ القرار.
وفقًا لمسح Psychological Safety Index الذي شمل أكثر من 900 من مديري الشركات وأعضاء مجالس الإدارة، فإن فقط 43 % من الأعضاء يشعرون بالأمان التام للتحدث بشكل منتظم في الاجتماعات، بينما تنخفض هذه النسبة إلى 16 % للمديرين التنفيذيين المقيمين تحت سلطة المجلس. هذه الأرقام ليست مجرد إحصائية، بل تنبيه حقيقي: الكثير من أعضاء مجلس الإدارة لا يشاركون وجهات نظرهم أو يعترضون على أفكار تفتقر للدقة، لأنهم لا يشعرون بسلامة نفسية كافية في بيئة اتخاذ القرار.
والمشكلة هنا أن الصمت لا يملأ الفراغ بالحلول الجيدة؛ بل يترك فراغًا معرفيًا قد يؤدي إلى تنامي الأخطاء وعدم مساءلة القرارات، بدلاً من مواجهتها وتصحيحها.
حتى من ناحية الحوكمة والشفافية، يوضح الاستطلاع السنوي الذي تقوم به شركة PwC البريطانية للخدمات المهنية أن ثقافة المجلس وجودة الحوار الداخلي تؤثران بشكل مباشر على فعالية القرارات الإستراتيجية.
وتشير نتائج هذا الاستطلاع إلى أن نسبة معتبرة من أعضاء المجالس تعترف بأن ضعف النقاش الصريح وتجنب طرح الأسئلة الصعبة يؤدي إلى قرارات أقل جودة. كما تؤكد أن وجود أعضاء مستقلين أو لجان متخصصة لا يحقق أثره الكامل إذا لم تصاحبه بيئة تسمح بالتعبير الحر والمساءلة المتبادلة.
الأمر لا يقتصر على مجرد قول الحقيقة داخل الغرفة.
فبحسب تحليل الرابطة الوطنية لمديري الشركات NACD بالشراكة مع PwC، فإن ضعف السلامة النفسية يجعل أعضاء مجلس الإدارة مترددين في مشاركة ملاحظاتهم، خوفًا من الإضرار بالعلاقات المهنية أو الاصطدام بقيادة المجلس. وهذا يؤدي في كثير من الأحيان إلى قرارات متسرعة أو غير مدروسة لانعدام وجود الرأي المعارض داخل المجلس. ولكن السؤال الأهم: كيف يتحول المجلس من بيئة صامتة إلى بيئة نقاش صحي؟
أولًا، ترسيخ مفهوم السلامة النفسية كنظام عمل، لا كمجرد نية حسنة. أشار بحث من Harvard Business School أن الفرق عالية الأداء تبني قواعد واضحة للحوار، وتفصل بين نقد الفكرة ونقد الشخص، وتشجع على طرح الأسئلة الصعبة دون خوف من الإحراج أو التهميش داخل مجلس الإدارة، يعني ذلك أن يُطلب الرأي المعارض صراحة قبل تثبيت أي قرار إستراتيجي.
ثانيًا، إدخال «الرأي المعارض المنظم» ضمن آليات العمل. تشير استطلاعات PwC السنوية إلى أن المجالس الأكثر فاعلية تتجنب الإجماع السريع، وتمنح مساحة لاختبار الفرضيات قبل التصويت.
من الممارسات العملية: تعيين عضو يلعب دور صاحب الرأي المعارض في القرارات الكبرى، وتأجيل القرارات حتى يتم عرض سيناريوهات المخاطر بوضوح.
ثالثًا، تقييم ثقافة المجلس دوريًا. توصي NACD بأن تخضع المجالس لتقييم منتظم لا يقتصر على الأداء المالي، بل يشمل جودة الحوار، وتوازن المشاركة، وتأثير الشخصيات المهيمنة داخل الغرفة.
رابعًا، تمكين رئيس المجلس من إدارة الاختلاف باحتراف. القيادة داخل غرفة الاجتماع ليست في إنهاء النقاش بسرعة، بل في ضمان أن جميع الأصوات سُمعت، وأن الاعتراض لم يُهمَّش تحت ضغط الوقت أو الهيبة.
الحوكمة القوية في مجالس الإدارة لا تعني الانسجام التام، بل تعني القدرة على إدارة الاختلاف بأمان واحتراف.
والمجلس الذي يشجع على الاعتراض المهني يتخذ قرارات أقوى وأكثر موثوقية في مواجهة الأزمات.
أما المجلس الصامت، فقد يبدو متماسكًا ظاهريًا، لكنه قد يقود إلى إهمال مخاطر حقيقية وتأخر في معالجة المشاكل المعقدة.