د.عبدالحفيظ عبدالرحيم محبوب
وجهت المحكمة العليا الأمريكية ضربة للرئيس الأمريكية دونالد ترمب عندما قضت بأغلبية ستة قضاة مقابل ثلاثة بإبطال معظم الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب استنادا إلى قانون القوى الاقتصادية الطارئة الدولية لعام 1977، لكن حول ترمب القانون إلى قانون عقابي في ملفات لا علاقة لها بالتجارة، مثل الضغط على أوروبا في قضية غرينلاند أو تهديد المكسيك وكندا بسبب ملفات الهجرة، فيما اعتبرت المحكمة أن فرض الرسوم سلطة حصرية للكونغرس، مما حرم الرئيس عنصر المفاجأة والردع الذي كان يرهب به الأسواق.
لكن لجأ ترمب إلى تفعيل خطة بديلة عبر اللجوء إلى المادة 122 من قانون التجارة لعام 1974 هذه المادة تتيح للرئيس فرض رسوم لمواجهة العجز التجاري الخطير، لكنها أداة مقصوصة الأجنحة لأنها تضع سقفا للرسوم لا يتجاوز 15 % وتحدد مدتها ب150 يوما فقط ما لم يتدخل الكونغرس لتمديدها، أيضا يمتلك ترمب سلاحا آخر وفق المادة 232 في فرض رسوم جمركية باسم الأمن القومي مثل رسوم ال50 % على الصلب والسيارات، وكذلك يمتلك ترمب سلاح آخر وفق المادة 301 في فرض رسوم جمركية للممارسات غير العادلة، وهي فرصة أمام ترمب لشرعنة الرسوم التي أبطلتها المحكمة العليا، مما يبقي بكين تحت ضغط دائم.
لذلك الدول ال20 التي وقعت اتفاقيات إطارية مع واشنطن قائمة في جوهرها على معادلة الاستثمار مقابل الحماية، التي تبحث هذه الدول وعلى راسها اليابان وكوريا الجنوبية لتأمين استقرار قطاعاتها الصناعية الكبرى، وبشكل خاص السيارات، وقطع غيارها العمود الفقري لصادراتها، التي نجحت في خفض الرسوم من 27.5 % إلى 15% مقابل تعهد بضخ استثمارات ضخمة في أمريكا، اليابان تعهدت بضخ 550 مليار دولار، وتعهدت كوريا بضخ 350 مليار دولار، وهي المصدر الرئيسي للوظائف والاستثمارات.
مقابل موافقة إندونيسيا وماليزيا وكمبوديا على رسوم 19% مقابل مشتريات ضخمة من السلع الأميركية من الولايات المتحدة، كذلك الهند تم تخفيض الرسوم إلى 18% مقابل شراء الهند سلع أمريكية بقيمة 500 مليار دولار خلال الخمس السنوات المقبلة، وكان من المقرر أن يتم التصويت على اتفاقية التجارة بين الاتحاد الأوروبي وأميركا بعدما اتفق الجانبان على اتفاقية لتجنب حرب تجارية بموجبها يلغي الاتحاد الأوروبي رسوم الاستيراد على العديد من المنتجات الأمريكية مقابل فرض الولايات المتحدة تعريفة جمركية بنسبة 15% على معظم صادرات السلع الأوروبية، فلن تسعى هذه الدول إلى إعادة التفاوض بناء على قرار المحكمة الأمريكية الصادر بإبطال الرسوم الجمركية الشاملة التي فرضها ترمب، رغم ان الحكم يبطل قانونية التهديد بالرسوم المتبادلة.
لكن هذا القرار أعاد خلط الأوراق في التنافس المحموم بين أكبر اقتصادين في العالم، ووضع الجانبين أمام تحدي تجنب حرب تجارية شاملة، قد تعصف باستقرار الاقتصاد العالمي المهتز أصلا، وخلق حالة عدم اليقين في الأوساط التجارية، رغم ذلك بكين ستتوخى الحذر الشديد في استغلال هذا الامتياز الكائن في ابطال المحكمة العليا الأمريكية رسوم ترمب الجمركية، وإن كان بعض المراقبين يرون أن هذا الحكم يمنح الصين دفعة معنوية، في مفاوضاتها مع فريق ترمب في الزيارة المرتقبة لترمب إلى بكين في 31 مارس 2026، ، لكن الصين تدرك أن ترمب يمتلك بدائل قانونية أخرى لفرض رسوم جديدة، وستتجه نحو تثبيت هدنة تجارية هشة تسمح لبكين بالحصول على تنازلات أمنية، وتمنحها حرية اكبر للمناورة في آسيا، مقابل تقديم ضمانات شراء لسلع أميركية أو تقديم تنازلات اقتصادية محدودة.
وبالفعل بعد صدور حكم المحكمة الأمريكية بإبطال الرسوم الجمركية التي فرضها ترمب، في خطاب مشحون بنبرة قومية حمل ترمب الصين مسؤولية التحديات التي تواجه الهيمنة الأميركية، اعتبر أن الصين حققت فوائض مع الولايات المتحدة وبنت جيشها، ويعتبر أن الولايات المتحدة سمحت بذلك، رغم هذا الهجوم يحرص ترمب على علاقة متميزة مع رئيس وزراء الصين شي جينبينغ مشيرا إلى أن بكين باتت تحترم الولايات المتحدة الآن.
** **
- أستاذ الجغرافيا الاقتصادية والسياسية بجامعة أم القرى سابقا