د. تنيضب الفايدي
الربذة من قرى محافظة الحناكية، تقع شرقها، وكانت بلدة في فترة من الفترات على طريق درب زبيدة (الحاج العراقي) وما زالت بعض معالمه ماثلة للعيان، وتبعد عن المدينة المنورة بنحو 200 كيل في اتجاه الجنوب الشرقي، ويقال إنها سميت الربذة باسم جبل فارع أحمر على بعد ميل من الربذة مما يلي الغرب. وبهذا الموضع قبر أبي ذر الغفاري رضي الله عنه، واسمه جندب بن جنادة. وفي سنة 319هـ خربت الربذة باتصال الحروب بين أهلها وبين ضرية ثم استأمن أهل ضرية إلى القرامطة فاستنجدوهم عليهم فارتحل عن الربذة أهلها فخربت، وكانت من أحسن منـزل في طريق مكة.
متى عرفت الربذة ومتى اشتهرت:
الربذة مدينة تاريخية أثرية، وكانت الربذة منطقة جيدة لرعي الإبل والأغنام وكانت قبائل محارب وعبس وغطفان (فزارة) ترتادها للمرعى حتى جاء الإسلام، واشتهرت مدينة الربذة التاريخية قبل مئات السنين بأنها مدينة صناعية واقتصادية مهمة؛ خاصة وأنها على درب زبيدة، وقد عرفت الربذة في حياة رسول الله صلى الله عليه وسلم فقد جاء أنه قال: (لنعم المنـزل الحمى لو لا كثرة حياته». وفي رواية: «أن النبي صلى الله عليه وسلم حمى النقيع للخيل وحمى الربذة للصدقة». ويظهر من تلك الروايات بأن الربذة كانت معروفة في زمن النبي صلى الله عليه وسلم. ولكن اشتهرت الربذة بعد ما حماها عمر بن الخطاب رضي الله عنه لإبل الصدقة وخيل المسلمين بسبب غطائها النباتي الصالح للرعي. وهذا هو قول الراجح. والدليل على ذلك قصة الأعرابي الفزاري الذي اشتكى إلى عمر بقوله: يا أمير المؤمنين بلادنا قاتلنا عليها في الجاهلية وأسلمنا عليها فلم تحميها علينا؟ فأجابه عمر: لمصلحة المسلمين العامة للحفاظ على إبل الصدقة. والشاهد أنه لو كان رسول الله صلى الله عليه وسلم هو الذي حمى الربذة لما كان الفزاري يحتج على عمر، ولما كان جواب عمر كالذي كان، بل يقول: لست أنا الذي حميتها بل الرسول صلى الله عليه وسلم هو الذي حماها.
نشأة الربذة وازدهارها:
نشأت الربذة في وسط الحمى وازدهرت وتطورت إلى مدينة كبيرة خاصة في العصر العباسي المبكر بسبب وقوعها على طريق الحج من الكوفة إلى مكة المكرمة، فكانت من المراكز المهمة على طريق الحاج العراقي قديماً والمعروف بطريق زبيدة، وهي المحطة التاسعة عشرة بعد الكوفة، ولعلّ هذه المميزات جعلت من الربذة مركزاً حضارياً مهماً، وما زالت بعض معالمه ماثلة للعيان، ويعرف هذا المكان بالبركة، نظراً لوجود بركة أو على الأصح ليست بركة واحدة وإنما بركتان، إحداهما كبيرة والأخرى أصغر منها. يقول أحد المؤرخين: «لقد ازدهرت الربذة منذ أن قدم إليها أبو ذر الغفاري وأصبحت مطروقة ومعروفة واستهوت الكثير من الشخصيات الإسلامية المشهورة للسكن منها، وزاد من مكانة الربذة أنها أصبحت محطة رئيسة على طريق حج العراق خاصة بعد تمصير كل من الكوفة والبصرة اللتين أصبحتا من أهم الحواضر العربية الإسلامية منذ صدر الإسلام حيث ارتبطت كلّ منهما ارتباطاً وثيقاً بالمدينة المنورة ومكة المكرمة، وما من قافلة تقصد مكة لغرض الحج أو غيره إلا ويكون طريقها على الربذة سواءً كان ذلك في الذهاب أو الإياب».
وكان يستريح بالربذة عدد من خلفاء وأمراء بني العباس عند قدومهم لأداء فريضة الحج، ومن أبرز هؤلاء الخلفاء: أبو جعفر المنصور والمهدي وهارون الرشيد الذين كانوا يتعهدون طريق الحج بالعمارة، وشمل ذلك مدينة الربذة التي عمرت فيها الدور والمساكن والبرك والآبار.
وقد وصف هذا الطريق من العراق إلى مكة الكثير من الكتاب والمؤرخين، فقد ذكره الحربي في بداية القرن الثالث الهجري، وذكره ابن خردابة، واليعقوبي، وابن رستة، وذكره في القرن الرابع الهجري الهمداني والمقدسي وفي القرن الثامن الهجري ذكره ابن بطوطة.
اندثار الربذة:
استمرت محطة الربذة بازدهارها قرابة ثلاثة قرون حتى تعرضت لهجمات بعض القبائل الغازية نتيجة لضعف الأمن في أواخر القرن الثالث الهجري، ثم انتهت بوصفها مدينة بعد تخريبها على أيدي القرامطة سنة 319هـ، فهجرها من كان بها من السكان، وكانت قبل ذلك من أحسن المنازل على طريق الحج، ولا غرابة أن المقدسي أحد الجغرافيين المسلمين يصفها في النصف الثاني من القرن الرابع الهجري -القرن العاشر الميلادي- بأنها «ماء زعاق وموقع خراب»، ولذا لم يعد للربذة أي ذكر في كتب الرحالة المسلمين بعد هذه الفترة، ويبدو أن طريق الحج لم يعد يمر بها بسبب اختلال الأمن وأصبحت الربذة معروفة بصفتها موقعاً أثرياً، وأخذت مكانها محطة أخرى هي (فيد).
وصف محطة الربذة عند المؤرخين المتقدمين:
يأتي ذكرها في معظم كتب المؤرخين حيث قال الحموي: «وكانت من أحسن منزل في طريق مكة». ووصفها الحربي صاحب كتاب المناسك وهو معاصر لفترة ازدهار الربذة حيث قال: «وبها قصر ومسجد ومسجد لأبي ذر صاحب رسول الله صلى الله عليه وسلم يقال إن قبره فيه». وذكر الفيروزآبادي قول الأصمعي وهو يذكر نجداً قال: «والشرف كبد نجد وفي الشرف الربذة وهي الحمى الأيمن. وقال نصر: الربذة من منازل الحاج بين السليلة والعمق». قال السمهودي في كتابه وفاء الوفا: قال الأسدي: الربذة لقوم من ولد الزبير، وكانت لسعد بن بكر من فزارة، ووصف ما بها من البرك والآبار وقال: إن بها بئراً تعرف ببئر المسجد بئر أبي ذر الغفاري. ويذكر المقدسي في كتابه أحسن التقاسيم في معرفة الأقاليم الربذة حيث يقول: «إنها بعد الغيثة بأربعة وعشرين ميلاً». قال ابن خرداذبة: «ثم إلى الربذة وفيها برك وآبار». وقال أبو الفرج قدامة بن جعفر: «إن الربذة بعد مغثية الماون للقادم من العراق إلى مكة وأن ماءها كثر وبها منبر». وقال ابن رستة: «وهو منزل فيه أعراب وماء كثير من برك وآبار وفيه منزل أبي ذر الغفاري وقبره وفيه مسجد جامع وهي من القرى القديمة في الجاهلية».وقد ذكر أحد المؤرخين أهمية موقع الربذة قائلاً: «يتضح لنا قيام منطقة استيطانية حضارية قامت في قلب الجزيرة العربية وفي مكان متوسط بين نجد والحجاز ويتمثل هذه الاستيطان في قيام مدينة إسلامية تعود جذورها إلى عصر الخلافة الراشدة، وربما قبل ذلك بقليل، وتمتد مرحلة الاستيطان الحضاري حتى مطلع القرن الرابع الهجري، وهذه المرحلة تغطي فترات تاريخية مهمة؛ لأنها تشمل عصر الخلافة الراشدة، والعصر الأموي والعصر العباسي الأول وجزء من العصر العباسي الثاني، إذ إن تخريب الربذة الذي وقع سنة 319هـ/ 931م يوافق خلافة المقتدر بالله (290هـ - 320 هـ/ 908 - 932)».
وخلال هذه الفترة الزمنية التي تمتد ما يقرب من ثلاثة قرون نلمس مدى الأهمية التي تميز بها موقع الربذة، فبالإضافة إلى أنها كانت منطقة رعي مهمة تحت حماية الدولة حتى القرن الثاني الهجري (الثامن الميلادي) فإن المدينة السكنية بدأت في النمو تدريجياً منذ قدوم أبي ذر الغفاري إليها وأصبحت منذ ذلك الوقت ملتقى للعلماء، وقد زاد من أهمية الربذة بأنها تقع على طريق الحج الرئيس القادم من الكوفة إلى مكة المكرمة، كما أنها كانت حلقة اتصال بين المدينة المنورة ومكة المكرمة. ويكفي الربذة أهمية أنها عاصرت نشوء البصرة والكوفة وتطورهما ومدينة بغداد عاصمة الخلافة العباسية ومن بعدها سامراء واتصلت الربذة بهذه المدن بدون أي شك من الناحية الحضارية والاقتصادية والسياسية. كما كان لموقع الربذة أهمية اقتصادية؛ لأنها تتوسط مناطق المناجم المشهورة في الجزيرة العربية ومن أهمها منجم (معدن النقرة) في الشمال، و(معدن بني سليم) جنوباً، بالإضافة وجود مناطق تعدين أخرى قريبة. ولذلك فإن سكان الربذة لابد وأنهم استفادوا من هذه الميزات الكبيرة ممثلة في المرعى وتوفر الأعلاف، والتجارة والمقايضة وتبادل المنافع مع مراكز التجمع السكاني الكبيرة مثل مكة والمدينة والطائف واليمامة، زد على ذلك الاستفادة من مرور قوافل الحجيج والمسافرين إلى الأراضي المقدسة على مدار السنة. كما استفادت من موقع الربذة المدن والقرى الكثيرة ذات الواحات الغنية بالإنتاج الزراعي والحيواني لعرض إنتاجهم في الربذة والمحطات القريبة الواقعة على طريق الحج ومن هذه المدن والقرى: يأتي ذكر (ضرية، وسويقة، وحاذة، وصفينة). كما كانت مدينة الربذة مدينة منتجة، حيث اشتهرت بإنتاجها للصناعات المعدنية، وذلك لقربها من محافظة مهد الذهب ووجود العديد من مناطق التعدين المجاورة لها.
ولم تستبعد المصادر أن أهالي الربذة قد تعاملوا مع أنواع من خامات المعادن لتصنيعها محلياً ومن أسباب ذلك حاجتهم إلى أنواع من الأسلحة لحماية الإبل والخيول التي كانت ترعى في حمى الربذة، كما اشتهرت الربذة بصناعة الأدوات الحجرية، ولم تكتف المدينة بهذا الحد، بل عملت في مجال الخشب والعاج حيث استعملت المصنوعات الخشبية فيها منها الأمشاط والأقلام وأدوات للغزل، واشتهرت الربذة أيضاً بصناعة الزجاج والحلي حيث عثر على العديد من الأدوات الزجاجية المصنوعة محلياً في الربذة، كما عملت المدينة على صناعة العديد من أدوات الحلي والزينة منها موارد ومكاحل وملاقط وأساور وبقايا لمرايا وخواتم بأشكال مختلفة من الفضة، كما زين الزجاج بألوان منها الأحمر والأخضر والفيروزي والأسود والأبيض والكحلي والبني والأرجواني.
وقد أظهرت الدراسات الأثرية والحفريات في موقع الربذة أنها كانت على درجة عالية من التنوع في الصناعات وخاصةً الأدوات الفخارية والحجرية والزجاجية حيث تم العثور على أدوات مختلفة من الجرار والأطباق والأكواب والقوارير وطحن الحبوب ومدقات ومساحن، والبعض منها كاملة غير مكسورة، أما الكسور من مختلف الأواني فهي كثيرة ومتنوعة وقد وجدت في بعضها زخارف جميلة تدل على دقة الصناعات وخبر الصناع ومقدرتهم وملكتهم في الحرف والصناعات، وهذه النماذج من الأدوات المختلفة المعثورعليها في الحناكية تدل على وجود حركة صناعية وحرفية جيدة في الحناكية في عصر من العصور.
وقد جاء ذكر الربذة في أرجوزة أحمد بن عمرو والذي ذكرها الحربي في كتابه المناسك، يقول:
ثم توجهنا نريد الربذة
ومنـزلا في قرية منتبذه
لدى طريق غانم من أخذه
لا يندم الدهر به من نفذه
حمى الربذة:
الحمى المواضع الذي فيه كلأ يحمى من الناس أن يرعوه، قال السمهودي: «الحمى هو: موضع من الموات يُمنع من التعرض له ليتوفر فيه الكلأ فترعاه مواشٍ مخصوصة». وهناك حِمى كثيرة كانت في الإسلام غير الربذة مثل حِمى ضرية وحِمى فيد وحمى النِّير وحمى ذي الشَّرى وحمى النقيع، أما الربذة فأول من حماها على أرجح الأقوال هو عمر بن الخطاب رضي الله عنه سنة 16هـ فقد روى البخاري برقم (2208) عن ابن عباس رضي اللَّهُ عَنْهُمَا، أَنَّ الصَّعْبَ بْنَ جَثَّامَةَ قال: إِن رسول اللَّهِ صلى الله عليه وسلم قال: لا حِمَى إِلا لِلَّهِ وَلِرَسُولِهِ وَقَالَ: بَلَغَنَا أَنَّ النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم حَمَى النَّقِيعَ، وَأَنَّ عُمَرَ حَمَى السَّرَفَ وَال+رَّبَذَةَ. وذكر ابن شبة في كتابه تاريخ المدينة عن ابن شهاب أن عمر رضي الله عنه حمى الربذة وأن عثمان رضي الله عنه حمى الشرف». ونقل السمهودي عن الهجري أن أوّل من أحمى الحمى بالربذة عمر بن الخطاب رضي الله عنه لقلاص الصدقة وأن سعة حماه الذي أحمى بريد في بريد وأن سُرة حمى الربذة كانت الخبرة ثم زاد الولاة بعدُ في الحمى وآخر من أحماه أبو بكر الزبير لنعمه، وكان يرعى فيه أهل المدينة، وكان جعفر بن سليمان في عمله الأخير على المدينة أحماه لظهره بعد ما أبيحت الأحماء في ولاية المهدي. والحِمى كان له ولاة يتعهدونه منذ عصر الخليفة عمر بن الخطاب رضي الله عنه حتى عصر الخليفة المهدي، وبعد هذه الفترة قلت أهمية حمى الربذة وغيره من الأحماء.
وهناك بعض المعالم الجغرافية في حمى الربذة مثل: جبال رحرحان، جبل مطعمة، جبل الخشبية، جبل الصيغ، جبل جدعا، الحويدات، الضائن، حصنيات، مشان ومشين، الرحياء، القهب، المغاريات، اللعباء.
الملك عبد العزيز يرحمه الله يعيد حمى الربذة:
لما افتتح الملك عبد العزيز يرحمه الله الحجاز وتم توحيد البلاد أعاد حمى الربذة وكان ذلك في أواخر إمارة عبد العزيز بن إبراهيم على المدينة ثم بداية إمارة عبد الله بن سعد السديري، وكان يسمى حمى المدينة المنورة، والغرض من ذلك المصالح العامة وهو الحفاظ على ما يأتي من الزكاة من البوادي من إبل وأغنام، وقد وصل عددها أكثر من عشرة آلاف بعير، علماً بأن بداية عهد الملك عبد العزيز يرحمه الله لم يكن هناك سيارات ولا وسائل أخرى إلا القليل، وكانت الإبل هي الوسيلة المتاحة، فكان الحفاظ على هذه الوسيلة أصبحت ضرورة، وقد عين لها رعاة يقومون بحفظها وما يحتاج لها من رعاية وسقاية وإطعام، وعين عليهم أمير ومن ثم مشرف عام على أمراء الرعاة. وأول من أسند إليه هذا الإشراف هو حنيان القحطاني وذلك في زمن عبد العزيز بن إبراهيم أمير المدينة في ذلك الوقت، ولما كثرت أعداد الإبل عين مشرفون آخرون وهم: عائض العبود القثامي العتيبي ومحمد بن جفين المري، وعبد الرحمن ختلة القحطاني.
وفي ضوء ما تقدم عن الربذة وآثارها نستخلص بأن مدينة الربذة كانت بلدة إسلامية شهيرة حيث شكلت مركزاً ثقافياً واقتصادياً ومحطة مهمة على طريق درب زبيدة، وظلت على هذه الحالة عدة قرون حتى اندثرت في عام 319هـ (932م) بعد أن ضاع الأمن وهاجر أهلها وأصبحت بلدة مندثرة بقيت آثارها تحكي حضارتها القوية، كما أمدتنا بمعلومات كثيرة عن تلك الحقب.
انكشاف الربذة:
بدأ التعرف على الربذة من الناحيتين الجغرافية والأثرية سنة 1398هـ/ 1978م إذ تم مسح الموقع، واتضح أنه يمتد إلى حوالي (1.5) كيل ونصف من الشرق إلى الغرب، وتبرز على سطحه التلول الأثرية للقصور والمنازل بشكل واضح، ودلت الحفريات الأثرية التي بدأت سنة 1399هـ/ 1979م على وجود مدينة إسلامية كبيرة تشتمل على قصور ومنازل مبنية باللبن سميكة الجدران ومدعمة بأبراج دائرية ونصف دائرية، وتشمل مبانيها مرافق متعددة، منها سوق المدينة، وأعداد كثيرة من خزانات المياه المحفورة والمبنية بإحكام تحت مستوى الغرف السكنية، مع وجود أفران الطبخ وتحضير الطعام.وأسفرت نتائج الحفريات الآثارية عن العثور على كميات كبيرة من الأواني الفخارية والخزفية والزجاجية ومصنوعات حجرية. كما تم الكشف على مسجدين رئيسين وبقايا من القصور.
جامع أبي ذر التاريخي:
يعد جامع مدينة الربذة جامعاً تاريخياً بناه أبو ذر الغفاري رضي الله عنه وكان ملتقى لعلماء المسلمين وطالبي العلم؛ خاصةً أن الربذة مدينة إسلامية مبكرة وموقعها مميز على طريق الحج، وقد دلت الاستكشافات التي قامت بها جامعة الملك سعود عن المسجد الجامع أنه هو مسجد أبي ذر الغفاري الذي اختطه بنفسه عندما قدم للربذة، وقد بيّن د. سعد الراشد من جامعة الملك سعود في كتابه «الربذة» صورة للحضارة الإسلامية المبكرة: أنه أثناء الكشف الأثري لجدران وأعمدة المسجد وتفاصيله المعمارية تبيّن أن المسجد فرشت أرضيته بالحصى، وتتجدد الفرشة بين وقت وآخر، كما أن جدران المسجد كانت تحمل طبقة جصية وأن المسجد فيما يظهر بني بكامله بالحجارة حيث لم يوجد أي أثر لكتل طينية أو لبن وأن الركام الذي كان يغطي الموقع هو كتل حجرية. وهناك مسجدٌ آخر عثرت في الربذة.
كذلك عثر على عملات إسلامية تشمل دنانير ودراهم وفلوساً نحاسية تقع تواريخها بين القرن الأول والثالث للهجرة، كذلك تم الكشف عن أصناف من أدوات الزينة والحلي والمصنوعات المعدنية المتنوعة، كما عثر على بعض الكتابات والنقوش الإسلامية داخل الموقع وعلى الواجهات الصخرية في المرتفعات الجبلية القريبة.
وينتشر في موقع الربذة عدد من الآبار المطمورة بقيت منها بئر واحدة يستخدمها أبناء البادية، أما البرك المجاورة للموقع فتوجد بركة كبيرة دائرية الشكل قطرها حوالي 65 متراً؛ مزودة بمصفاة طويلة الشكل ذات مصب منحدر، وللبركة سلالم تصل إلى القاع في اتجاهين متقابلين وإلى الشمال من الموقع بحوالي كيلين توجد بركة مربعة الشكل طول ضلعها 26 متراً، ويدل بناء البركتين على تطور الفنون المعمارية والهندسية عند المسلمين في هذه الفترة المبكرة.
وقد قامت جامعة الملك سعود بجهود مشكورة حيث بدأت بالتنقيب وإبراز الآثار التي عمل الزمن على اندثارها، واكتشفت مساكن من الطين، ومساجد ومقبرة أي: أن الربذة عبارة عن مدينة صغيرة أو قرية مدفونة.. هذه القرية عرفت قديماً اسم الربذة، وتم إحياء هذا الاسم « الربذة» وذلك نظراً لأهمية هذا الموقع سواء فيما يتعلق بتاريخ الحضارة الإسلامية أو فيما يتعلق بموقع الربذة الهام، إضافةً إلى ذلك جمال الطبيعة ولاسيما أثناء الربيع.
المراجع :
المناسك للحربي، معجم البلدان للحموي، عمدة الأخبار في مدينة المختار للعباسي، المغانم المطابة في معالم طابة للفيروزآبادي، صفة جزيرة العرب للهمداني، تاريخ المدينة المنورة لابن شبة، الربذة صورة للحضارة الإسلامية المبكرة في المملكة العربية السعودية للدكتور/ سعد بن عبد العزيز الراشد، آثار منطقة المدينة المنورة، صيد الذاكرة الباصرة من آثار الوطن الحبيب قائمة أو داثرة للدكتور/ تنيضب الفايدي ، النبذة في ترجمة أبي ذر وتاريخ الربذة تأليف: علي بن ثابت العمري ، محافظة الحناكية (بطن نخل) للدكتور/ تنيضب الفايدي.