د. طلال الحربي
في الوقت الذي يُخفّف فيه كثيرٌ منّا وتيرةَ العمل مع حلول شهر رمضان المبارك، مستأنسين بساعات الدوام المُقلَّصة وأجواء الطمأنينة الروحية، يبدو أن ولي العهد الأمير محمد بن سلمان يقرأ رمضان بمعادلة مختلفة تمامًا؛ معادلة يتضاعف فيها العطاء كلما تضاعفت فضيلة الأيام.
فمنذ الليلة الأولى للشهر الفضيل، فتح سموّه أبوابه لاستقبال المهنّئين من علماء وأمراء ومسؤولين ومواطنين، لا استقبالًا بروتوكوليًا جافًا تتخلله ابتسامات مصطنعة وعيون شاردة، بل مصافحةً فردية، وجهًا لوجه، واحدًا واحدًا. وفي هذا المشهد دلالة عميقة تتجاوز الشكل إلى الجوهر؛ فالقائد الذي يُصافح مواطنيه بيده ويستمع إلى حاجاتهم بأذنه هو قائد في سلوكه اليومي هذا العمل توارثه أباً عن جد.
لم يكتفِ سموّه بالبُعد الإنساني الاجتماعي، بل توجّه إلى المدينة المنورة ليُصلّي في مسجد رسول الله -صلى الله عليه وسلم-، ويستقبل أهل المدينة ويطمئن على أحوالهم، ثم ينتقل إلى مسجد قباء -أول مسجد بُني في الإسلام- ليُؤدّي فيه ركعتين بأجر عمرة كما وردت بذلك السنة النبوية. هذه الرحلة ليست سياحة دينية موسمية، بل هي رسالة واضحة تقول إن قيادة هذه البلاد لا تنفصل عن جذورها الروحية، وإن ولي أمر المملكة لا يرى في رمضان فرصةً للاستراحة، بل محطةً للاستزادة.
وجاء تبرّع خادم الحرمين الشريفين وولي عهده لمنصة «جود» التي تكفل توفير السكن لمستحقيه، ثم لمنصة «إحسان» التي تُيسّر وصول التبرعات إلى مستحقيها بشفافية ومأسسة حديثة - هذا النوع من العطاء أبلغ أثرًا وأوسع نطاقًا من الصدقة الفردية العفوية. إنه عطاء يُبنى على أنظمة، ويترك أثرًا ممتدًا في حياة آلاف الأسر السعودية التي لن تعرف اسم من أعانها، لكنها ستشعر بأثره في كل يوم تأوي فيه إلى سقف آمن أو تتلقى فيه دعمًا يصونها.
وبينما كانت ليالي رمضان تتعاقب بنسمات الروحانية، كان سموّه يستقبل السيناتور الأمريكي ليندسي غراهام الذي خرج من اللقاء ليُعلن صراحةً أن رؤية ولي العهد السعودي «عظيمة للعالم المتحضر»، وأن المملكة العربية السعودية هي مفتاح الحل في المنطقة. ثم كان اللقاء مع الرئيس المصري عبدالفتاح السيسي في قراءة للمشهد الإقليمي في وقت تمرّ فيه المنطقة بتحولات بالغة الدقة والحساسية، إضافة إلى ذلك عشرات الاتصالات مع زعماء وقادة دول خليجية وعربية وصديقة.
لا يمكن لمتأمّل في هذا المشهد إلا أن يلحظ أن رمضان لم يُعطّل دولاب الدبلوماسية السعودية، بل ربما أضفى عليه بُعدًا أخلاقيًا وروحيًا زاد من ثقله وصدقيته.
في الأيام الأولى من رمضان وحدها، جمع ولي العهد الأمير محمد بن سلمان بين استقبال المواطنين والطواف بالمدينة وزيارة مسجد قباء والعطاء عبر منصات التكافل الاجتماعي ولقاءات الدبلوماسية الإقليمية والدولية - وكلّ ذلك في لحظة يعدّها كثيرون لحظة تخفيف لا تصعيد.
هذا نموذج في القيادة يستحق التأمل، لا لأنه مثالي بلا استثناء، بل لأنه يُجسّد مبدأً قديمًا حديثًا في آن: أن القائد الحقيقي لا يُقاس بما يقوله في أوقات الرخاء، بل بما يفعله في الأوقات التي يُبيح فيها للآخرين الراحة.
أطال الله في عمر ولي العهد وأمدّه بالعون والتوفيق، وجعل ما يبذله في ميزان حسناته في هذا الشهر الكريم وفي كل وقت.