عبدالعزيز صالح الصالح
من الأقوال التي تترد على الألسن تارة: العمر كحفنة رمل بين يديك تنساب حبات الرمل بين أصابعك كأنهَّا خيوط أشعَّة الشَّمس المشرقة كل صباح.
حيث يمضي قطار العمر سريعاً قاطعاً مشواره الطويل في رحلة الأيام والشهور والسِّنين، حيث تتبدل محطات الحياة بين الفينة تلو الفينة بين الأمور الجميلة والأمور المريرة، فهي التي ترسخ داخل أعماق البشر، بينما تسقط من الذاكرة ما دونهما من أشياء عادية تذهب في حينها أدراج الرِّياح.
حيث إنَّها لا ترحل عنا أبداً تلك الذكريات الغالية التي تمتعنا بها حين عشناها حيَّة في لمحات عابرة من الزمن، ثم أصبحت أغلى ما تبقى لنا من الماضي، الجميل حيث لا ترحل عنا صور الأفراد المحبين إلى القلوب والنَّفوس والَّذين مروا في حياتنا كما يمر نسيم الهواء الطلق عبر فصل الخريف في رقة وهدوء تاركين فينا أثراً طيباً، فهؤلاء الاشخاص الذين تنوعوا بين أصدقاء مخلصين أصبحنا بهم أغنياء – كما يقول الأديب العالمي -توماس فولر- وبين أهل أعزاء رحلوا عنا بعد أن أورثونا تاريخهم الذي نحمله بعزة وافتخار، وبعد أن وضعوا فينا بصمات أفضالهم التي لن ينقضي أمدها أبد الدهر، أما الصورة الثالثة من صور هؤلاء البشر الذين لا يرحلون فهي صورة الأحباب الذين كان لزاماً علينا أن نفترق عنهم في غفلة من القلب على محطة الفراق حتى ننهي معهم قصة لقاء تم بينهم وبيننا في محطة سابقة من محطات الحياة الكثيرة.
فقد تمر بالإنسان لحظات تغرق فيها القلوب وتبحر في الشرايين الدماء، وهي تغلي بالحنين، وتتدفق باللوعة لأيام خلت. كستنا شتى أنواع السَّعادة والسرور خلالها ثوباً رقراقاً جميلاً أفضى على أنفسنا وأرواحنا الهناء والاستقرار والأمن والدعة ومن الأشياء الجميلة التي لا ترحل عنا أيضاً تلك الأماكن المتعدِّدة التي تركت فينا شيئاً من عظمتها وبهائها وعبقها، وندرك بحس الشعور الصادق أن الأماكن كالأشخاص نرتاح لبعضها وننفر من بعضها بدون سبب ظاهر.
فلا نحس بهذه الحياة ولا نتذوق طعم الهناء مهما حاولت التولي والإعراض عن الذكريات أو الفرار من الماضي، ولا الهرب من تداعيات الخيال، نعم طيف غطى الأبصار، وأسدل ثوبه على الأهداب، فلا تكاد ترى إلا إياه ولا يمنع التمادي في سرد الأمس إلا تعجب عجيب غريب، لماذا ينسى المرء أموراً مهمَّة في هذه الحياة بينما لا يستطيع نسيان أمور أقل أهمِّية منها؟!!
والله الموفِّقُ والمعين.