مجيب الرحمن بن عثمان
لم تكن المملكة العربية السعودية، منذ أن وحّدها المؤسس الملك عبدالعزيز على كتاب الله وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، وخدمة الحرمين الشريفين، دولةً طارئة في التاريخ، ولا كيانًا تشكّل بردّة فعل عابرة، بل قامت على منهج راسخ وهوية واضحة، وعقدٍ أخلاقي متين بين القيادة والشعب. لم تُبنَ على هامش القوى، ولم تُرسم ملامحها في ظل وصاية أحد، بل نشأت مستقلة القرار، واضحة المسار، ثابتة الجذور.
هذه الدولة المترامية الأطراف لم تكن يومًا تابعة لإملاءات خارجية، لأنها تأسست على سيادةٍ مكتملة، ووعيٍ سياسي مبكر، وفهمٍ عميق لمعادلات التوازن الدولي. وتوحيدها لم يكن شعارًا، بل ممارسة فعلية تجلّت في حرية اتخاذ المواقف، وفي عقد الشراكات والاتفاقيات مع مختلف دول العالم دون انحياز أعمى، ودون ارتهان لمحور على حساب آخر. هي دولة تنفتح على الجميع، لكنها لا تذوب في أحد.
ومن هذا المنطلق السيادي، وجدت نفسها في موقع التأثير لا التأثر، وفي دائرة صناعة القرار لا انتظاره. فهي لم تكتفِ بثقلها الاقتصادي ومكانتها في أسواق الطاقة العالمية، بل عززت حضورها بثقل سياسي متزن، وتقدّم أمني وتقني متسارع، حتى أصبحت رقمًا صعبًا في معادلة التوازنات الدولية، وصوتًا مسموعًا في ملفات السلام والاستقرار.
إن ما نراه اليوم من حضور سعودي فاعل في القضايا الإقليمية والدولية لم يأتِ مصادفة، بل هو نتيجة تراكم تاريخي، ورؤية إستراتيجية عميقة تُوّجت بإطلاق رؤية السعودية 2030 التي أعادت صياغة مفهوم التنمية، وربطت بين الحرية الاقتصادية، والانفتاح الفكري، والتحول التقني، وبناء الإنسان قبل البنيان.
لقد أثبتت المملكة أن العظمة لا تُستورد، بل تُصنع؛ وأن التأثير لا يُمنح، بل يُنتزع بالكفاءة والرؤية والقدرة على الفعل. واليوم، وهي تتربع على منصات التقدم في مجالات الاقتصاد، والتقنية، والاستثمار، والطاقة المتجددة، والثقافة، والسياحة، فإنها لا تمارس دور الدولة المتقدمة فحسب، بل دور الدولة التي تسهم في صياغة مسار التحولات العالمية.
إنها دولة صنعت قرارها بيدها، وحفظت سيادتها بعقيدتها، وبنت مجدها بوعي قيادتها وطموح شعبها.
ولهذا، لم تكن المملكة يومًا تابعة لأحد.. بل كانت، وستبقى، دولةً تصنع القرارات الكبرى، وتُعيد تشكيل التوازنات الدولية، وتشارك بفاعلية في صياغة مستقبل العالم.