شذا العجمي
يظن كثيرون أن الخطر الأكبر الذي يهدد التراث هو الإهمال، لكن الواقع يقول إن جزءًا غير قليل من التلف يحدث بحسن نية. فالحرص وحده لا يحمي المخطوطات والكتب النادرة، والحب غير المصحوب بالمعرفة قد يتحول حيث - لا نشعر - إلى سبب مباشر للفقد من خلال عملي في المكتبة، وتقديمي لعدد من الدورات المتخصصة أواجه سؤالا يتكرر بصيغ مختلفة: (لدي مخطوطات وكتب نادرة، لكنني لا أعرف الطريقة الصحيحة لحفظها).
غالبًا ما يتحدث أصحاب هذه المقتنيات عن تكدّس المواد فوق بعضها، أو حفظها في أماكن مغلقة، أو تغليفها بمواد متاحة في المنزل، دون إدراك لمخاطر الرطوبة، أو الحشرات، أو الكائنات الحية الدقيقة التي تنشط في بيئات غير مناسبة.
ومن أكثر المواقف التي بقيت عالقة في ذهني، ما ذكرته لي إحدى المتدربات حين أخبرتني أنها كانت تلف مخطوطات ورثتها عن والدها في بلاستيك الطعام، وتضعها فوق بعضها البعض اعتقادًا منها أنها تحميها كانت صادقة في حرصها، وممتنة حين عرفت أن الرطوبة المحتسبة داخل هذا الغلاف قد تسرع التلف بدل أن تمنعه، وأن الحشرات والميكروبات تجد في هذه البيئة ما يساعدها على النمو.
فنحن كثيرا ما نتعامل مع المخطوطات والكتب النادرة، والنوادر بشكل عام، كما نتعامل مع الأشياء العادية؛ نغلفها، نكدسها، ونظن أننا بذلك نحميها. بينما الحقيقة أن هذه المواد شديدة الحساسية، وتتفاعل باستمرار مع الضوء، والحرارة، والرطوبة، ونوعية المواد المحيطة بها، ما يجعل أي تعامل غير مدروس سببًا مباشرًا في تسريع تلفها، لا في حمايتها.
من واقع العمل في مجال الترميم، وتحديدا بعد الاقتراب أكثر من عالم التراث بكل ما يحمله من قيمة وثراء، يتضح أن حب التراث لا يعني بالضرورة القدرة على حمايته. فالتراث ليس شيئًا صامتًا نحتفظ به، بل مادة حيّة لها شروط بقاء دقيقة، وأي تدخل غير مدروس - مهما كانت نواياه - قد يترك أثرا لا يمكن تداركه.
وفي بعض الحالات، لا يكون التدخل ممكنًا بعد وقوع الكارثة؛ إذ إن بعض مظاهر الإهمال يترتب عليها تلف لا يمكن علاجه، وقد يؤدي ذلك إلى خسارة المادة التراثية تدريجيًا، أو فقدانها بشكل كامل.
ولعل أبسط ما يمكن فعله لحماية هذه النوادر هو طرح السؤال في المكان الصحيح، والاستعانة بالجهات المختصة في طرق التعقيم والحفظ، قبل الاكتفاء بمحاولات فردية قد لا تكون كافية، رغم حسن النية.
فالتراث لا يُفقد دائما بسبب الإهمال، بل كثيرا ما يُفقد بسبب الجهل.. رغم الحرص.
** **
مدير مركز الترميم وإدارة التراث الثقافي - مكتبة الملك عبدالعزيز العامة