صالح الشادي
في الأيام الأخيرة، تصاعدت حدة التوتر على الحدود بين أفغانستان وباكستان، وتبادل الطرفان الاتهامات بشن هجمات وقصف مناطق حدودية. هذا التصعيد لم يأت من فراغ، بل هو جزء من سلسلة طويلة من الخلافات العالقة بين الجارتين. لكن السؤال الذي يطرح نفسه: هل هذه الخلافات وليدة الظروف المحلية فقط، أم أن هناك أيادي خفية تعمل على إذكائها؟
ما لا يعرفه الكثيرون هو أن بعض القوى الغربية تتعمد خلق شرخ سياسي أو وضع بذور خلاف بطريقة ناعمة بين العديد من دول العالم الإسلامي والعربي، بهدف إضعافها وجعلها عالة على غيرها، أو لإجبارها على العودة إلى طاولة التسوية في قضايا كبرى، أو حتى لتحريك ماكينة الصناعة الحربية لصالح اقتصاديات تلك القوى.
لم يخرج الاستعمار القديم من المناطق التي احتلها دون أن يترك خلفه «مسمار جحا»؛ مشكلة حدود معلقة، أو أقلية مغبونة، أو فئة مؤدلجة عمياء تهدم أي فرصة للاستقرار المستقبلي.
الأمر ليس جديداً، فهو نمط يتجدد بتجدد الأدوات. فالدبلوماسية الناعمة، وأجهزة الاستخبارات، والإعلام الموجّه، وحتى الفن والدراما، كلها وسائل تُستخدم لتحقيق هذا الغرض. ولو بحثنا في منشأ الكثير من الخلافات البينية أو نقاط التصادم في عالمنا، وتتبعنا خيوطها، لوجدنا أن للغرب يداً في تأجيجها، سواء من خلال دعم طرف على حساب آخر، أو بتسريب معلومات مغلوطة، أو باستغلال الخلافات العرقية والمذهبية لتحويلها إلى صدوع عميقة.
الصراع الأفغاني الباكستاني ما هو إلا حلقة جديدة في مسلسل طويل من التدخلات التي تضمن بقاء المنطقة في دائرة الاحتراق، خدمة لمصالح لا علاقة لها بسكانها.
إلى جانب النزاعات الحدودية الموروثة، تمتلك القوى الغربية ترسانة من الأدوات الناعمة لتأجيج الصراعات في العالم الإسلامي. يأتي في مقدمتها الإعلام والسينما. فمنذ أواخر الثمانينيات، ومع أفول التهديد السوفيتي، بدأت هوليوود بإبراز صورة «العدو الإسلامي الخارق» كبديل للشيوعية المحتضرة. أفلام مثل «أكاذيب حقيقية» و»الحصار» روّجت لصورة المسلم الإرهابي الذي يهدد الحضارة الغربية، مما ساهم في خلق مناخ عام من العداء للإسلام والمسلمين. هذه الصورة الذهنية لم تكن وليدة الصدفة، بل تزامنت مع نظرية «صدام الحضارات» التي روّجها صمويل هنتنغتون، وتصريحات مفكرين إستراتيجيين مثل هنري كيسنجر الذي قال في ربيع 1990 أمام المؤتمر السنوي لغرف التجارة الدولية: «إن الجبهة الجديدة التي على الغرب مواجهتها هي العالم العربي والإسلامي باعتبار هذا العالم هو العدو الجديد للغرب».
هذه الأفكار تترجم إلى سياسات تدعم الانقسامات الداخلية وتغذي الصراعات المذهبية والعرقية.
اللافت أن بعض الإستراتيجيين الغربيين يتحدثون بصراحة عن هذه السياسات. فقد كتب الرئيس الأمريكي الأسبق ريتشارد نيكسون في كتابه «نصر بلا حرب» عن كيفية تغذية الصراعات الدينية والطائفية في الدول العربية، وتقديم الاستشارات لتلك الدول دون تدخل مباشر، وقال: «إن رياح التغيير في العالم الثالث تكتسب قوة العاصفة، ونحن لا نستطيع إيقافها لكننا نستطيع أن نساعد في تغيير اتجاهها». أما روبرت كاجان، الباحث البارز في معهد بروكنغز، فكان أكثر وضوحاً حين صرح: «هناك شعور عام في أمريكا أن أفضل سياسة في الشرق الأوسط وفي مصر وسوريا تحديداً هو السماح للمسلمين أن يقتلوا بعضهم، هكذا بكل بساطة». هذه الصراحة تكشف عن فلسفة سياسية متكاملة: لم يعد الغرب بحاجة إلى استعمار مباشر، بل يكفيه أن يترك أعداءه يحاربون بعضهم بأنفسهم، في إطار ما يسمى «القتال بالتكلفة الصفرية». هذا المفهوم يعني ببساطة أن العدو يقتل نفسه بنفسه، ويدفع ثمن السلاح، ثم يطلب من الغرب التدخل لإنقاذه! وقد شرح المؤرخ الأمريكي دونالد كواترت في كتابه عن الدولة العثمانية كيف أن بريطانيا وفرنسا أذكتا نار الكراهية العربية للحكم العثماني، ثم اتخذتا من هذه الكراهية التي صنعاها ذريعة أخلاقية لتفكيك الدولة العثمانية. التاريخ يعيد نفسه.