د. سطام بن عبدالله آل سعد
بيانُ المملكة جاء حازمَ النبرة، صارمًا قولًا وفعلًا، وهو يُدين الهجماتَ الإيرانية بالصواريخ والطائرات المسيَّرة التي استهدفت دولَ الخليج، بما في ذلك المملكة؛ إذ مثَّلت عدوانًا مباشرًا طال منشآتٍ مدنيةً وأحياءً سكنية، وعرَّض حياةَ المواطنين والمقيمين للخطر، ووضع أمنَ المنطقة أمام اختبارٍ بالغ الخطورة.
كانت المملكة قد أعلنت بوضوح أنها لن تسمح باستخدام أجوائها أو أراضيها لأي عمل عسكري ضد إيران، التزامًا بتحييد المنطقة عن التصعيد. ومع ذلك، اتجهت طهران بعملياتها العدوانية الجبانة إلى استهداف الرياض والمنطقة الشرقية، في سلوكٍ يكشف ترنّح القرار الإيراني ورغبته في توسيع دائرة الأزمة وإعادة خلط أوراق الأمن الإقليمي.
ولقد أكد وزراء خارجية دول مجلس التعاون أن أمن دول المجلس كلٌّ لا يتجزأ، وأن أي اعتداء على دولةٍ عضو يُعد اعتداءً مباشراً على جميع الدول الأعضاء، وذلك وفقاً للنظام الأساسي لمجلس التعاون واتفاقية الدفاع المشترك. وتمثل هذه لحظةً مفصلية تعكس نضجاً خليجياً متراكماً؛ إذ باتت العواصم الخليجية شبكةَ أمنٍ واحدة تحمي نفسها وتنسّق مواقفها السياسية والعسكرية.
إنّ الكفاءة التي أظهرتها القوات المسلحة ومنظومات الدفاع الجوي في دول المجلس في التصدي للهجمات رسالةٌ واضحة بأن الخليج يمتلك منظومةً أمنيةً قادرةً على الردع والحماية. كما أن نجاح الدفاع يؤكد احتفاظ دول المجلس بحقها القانوني في الرد، ولا يعفي المعتدي من مسؤوليته. فالقانون الدولي، عبر المادة (51) من ميثاق الأمم المتحدة، يكفل حق الدفاع عن النفس فردياً وجماعياً. وهو حقٌ أصيل يُمارَس لحماية السيادة والاستقرار، لا لتغذية التصعيد.
ومع كل ما سبق، لم تُغلق دول المجلس، وفي مقدمتها المملكة، نافذة الدبلوماسية، قناعةً بأن السياسة تصنع حلولاً أطول عمراً من السلاح. غير أن الدبلوماسية لا تُثمر في ظل القصف، ولا يمكن أن تُبنى على استهداف المدنيين.
الخليج العربي عقدةٌ إستراتيجيةٌ للطاقة والتجارة والممرات البحرية، وأيُّ اضطرابٍ فيه ينعكس فوراً على أسواق الطاقة وسلاسل الإمداد والاقتصاد العالمي. ومن هنا، فإن المغامرةٍ العسكريةٍ في هذا التوقيت تمثل مقامرةً بمصالح إقليميةٍ ودوليةٍ معاً.
وعليه، فإن المجتمع الدولي، ومجلس الأمن تحديدًا، أمام مسؤوليةٍ واضحة تتمثل في إدانة الاعتداءات ومنع تكرارها، دفاعًا عن النظام الدولي القائم على احترام السيادة وحماية المدنيين. فالصمت في مثل هذه اللحظات يتحول إلى مساحةٍ مفتوحة لمزيدٍ من التهور.
شعوبُ المنطقة تستحق مستقبلًا من التنمية والازدهار، والدبلوماسيةُ والحوارُ هما المخرج الوحيد من الأزمة. فأي تصعيدٍ جديد سيهزّ أركان الأمن الإقليمي، ويدفع المنطقة إلى مآلاتٍ شديدة الخطورة بتبعاتٍ فادحة على الأمن والسلم الدوليين.
هذه لحظةُ تماسكٍ خليجيٍّ جديد، عنوانها حمايةُ الأوطان أولاً.. والاستقرار دائماً.