زياد الجارد
أكثر القطاعات ازدحامًا ليست بالضرورة أكثرها نجاحًا وربحًا. فكثير من الراغبين في دخول عالم الأعمال ينظرون إلى «الأنشطة سريعة الدوران» باعتبارها أقصر الطرق لسلم النجاح والربح، حركة يومية، مبيعات مستمرة، إقبال ظاهر، فيبدو المنظر وكأن النجاح مسألة وقت فقط.
لكن ما لا يُرى غالبًا، هو أن سرعة الدوران تعني أيضًا شدة المنافسة، وسرعة التأثر بالتكاليف، وسرعة خروج من لم يحسب حسابه بدقة.
انتشار نشاط معين لا يعني سهولته، كما أن كثرة الداخلين إليه لا تعني ارتفاع نسبة الناجحين فيه، بل قد يكون العكس هو الصحيح، فالقطاعات الأكثر ازدحامًا هي الأعلى ضغطًا من حيث الأسعار والتكاليف التشغيلية والالتزامات النظامية والمنافسة الشرسة.
المبتدئ في التجارة ينظر إلى الواجهة، حركة عملاء، امتلاء المواقف، حديث الناس عن الأرباح، لكنه لا يرى التفاصيل الأهم والتي يجب فهمها واستيعابها لتجنب المفاجآت.
الطموح مطلوب، والحماس مشروع، لكن الدخول إلى سوق مزدحم ليس خيارًا لكل مستثمر، خصوصًا إذا لم تكن هناك ميزة تنافسية واضحة، وهي أشبه بمن يدخل حلبة السباق متأخرًا.
من دخل مبكرًا كون قاعدة عملاء، وتعلم من أخطائه، وعدل نموذجه أكثر من مرة حتى استقر، أما الداخل المتأخر بلا تميز حقيقي، فغالبًا يبدأ ونهايته واضحة.
وعند التفكير في الدخول في أي نشاط، ربما لا يكون السؤال الأهم «كم يمكن أن أربح؟» بل لماذا خرج غيري؟ وكم استغرق من نجح حتى يصل؟
كثيرون يدخلون بدافع الحماس والصورة اللامعة في وسائل التواصل، فيسارعون إلى التمويل والاقتراض، معتقدًا أن دورة رأس المال سريعة وكفيلة بتغطية الالتزامات. لكن السوق لا يكافئ الحماس وحده، بل يكافئ الفهم والمعرفة، ومن نفسُه أطول من غيره، ولديه مرونة وقدرة على تقديم قيمة مختلفة بالسوق.
النجاح في الأنشطة سريعة الدوران ليس مستحيلًا، لكنه ليس تلقائيًا، ويحتاج إلى وعي بالمخاطر ودراسة دقيقة وفهم عميق لسلوك السوق والعملاء قبل اتخاذ القرار.
دخول التجارة قرار شجاع، لكنه يجب أن يكون قرارًا محسوبًا بدقة، والبقاء هو الاختبار الحقيقي، فالفرص لا تقاس بحركة العملاء أمام المحلات، بل بوضوح الميزة التنافسية وقدرتك على البقاء حين يهدأ الاندفاع.
ولا تأخذك بعض الأنشطة التي تبدو ذهبًا في بدايتها، فبعضها يذوب سريعًا كالثلج عند أول اختبار حقيقي لحرارة السوق.