د. عبدالرحمن بن حسين فقيهي
حين قال النبي صلى الله عليه وسلم لسعد بن أبي وقاص رضي الله عنه: «الثُّلُثُ، والثُّلُثُ كثير» (متفق عليه)، لم يكن يقرر حكمًا فقهيًا فحسب، بل كان يؤسس ميزانًا دقيقًا في النظر إلى الأجزاء؛ فبعض الأجزاء -وإن بدت قليلة- إلا أنها في ميزان الحقيقة كبيرة الأثر، عظيمة التبعة.
وفي رمضان يتجلّى هذا المعنى بوضوح؛ فإذا مضى ثلث الشهر فقد مضى كثير.
مضت ليالٍ كان يمكن أن تكون قيامًا خاشعًا، وأيامٌ كان يمكن أن تُعمَر بقرآنٍ وتدبرٍ وصدقةٍ وإصلاح ذات البين.
والله تعالى نبّه إلى خطورة الزمن فقال: {وَالْعَصْرِ إِنَّ الْإِنْسَانَ لَفِي خُسْرٍ}، وحذّر من التفريط فقال: {أَن تَقُولَ نَفْسٌ يَا حَسْرَتَى علَى مَا فَرَّطتُ فِي جَنبِ اللَّهِ}.
رمضان ليس أيامًا تُعدّ، بل موسم مغفرةٍ ورحمةٍ وعتقٍ من النار.
قال صلى الله عليه وسلم: «من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال: «من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه»، وقال صلى الله عليه وسلم: «من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه». وفي الصحيح أنه صلى الله عليه وسلم قال: «إذا جاء رمضان فُتحت أبواب الجنة، وغُلّقت أبواب النار، وصُفدت الشياطين».
وقال أيضًا: «رغم أنف رجل دخل عليه رمضان ثم انسلخ قبل أن يُغفر له». فالشهر في ذاته فرصة استثنائية، والحرمان فيه خسارة مضاعفة.
وإذا كان الثلث كثيرًا، فإن الباقي أعظم؛ إذ بقيت عشرون ليلة كاملة. عشرٌ وسطى هي مرحلة التثبيت والمراجعة، وعشرٌ أواخر هي تاج الشهر وخلاصته.
أما العشر الوسطى فهي زمن الاستقامة بعد الحماسة الأولى؛ فيها يُختبر الصدق، ويظهر أثر المجاهدة، وهي فرصة حقيقية لتعويض ما فات دون ضجيج، بل بثباتٍ هادئٍ وعزيمةٍ متجددة. من أحسن فيها مهّد لقفزةٍ إيمانية في ختام الشهر، وأعاد ترتيب أولوياته، وصحح مساره قبل بلوغ الذروة.
وأما العشر الأواخر، فقد كان النبي -صلى الله عليه وسلم- إذا دخلت شدّ مئزره، وأحيا ليله، وأيقظ أهله، واجتهد فيها ما لا يجتهد في غيرها؛ لأنها مظنّة ليلة القدر التي قال الله فيها: {لَيْلَةُ الْقَدْرِ خَيْرٌ مِّنْ أَلْفِ شَهْرٍ}. ليلةٌ واحدة تعادل في ميزان الأجر أكثر من ثلاث وثمانين سنة، فكيف يفرّط مؤمن في موسمٍ هذا بعض فضله.
لقد كان السلف يدركون أن العبرة بكمال النهايات لا بنقص البدايات. قال الحسن البصري رحمه الله: «إنما أنت أيام، كلما ذهب يوم ذهب بعضك». فكانوا يجتهدون في الخواتيم اجتهاد المودّع، لأنهم يعلمون أن قبول العمل مرتبط بحسن ختامه، وأن الأعمال بالخواتيم.
إن ما بقي من رمضان ليس بقية وقتٍ فحسب، بل بقية فرصة قد لا تتكرر. من قصّر فباب التوبة مفتوح، ومن فتر فباب العزم مشرع، ومن أحسن فباب الزيادة أعظم، قال تعالى: {وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى}.
واستثمار العشرين ليلة يكون بصدق الإقبال على القرآن تلاوةً وتدبرًا، وبقيامٍ خاشعٍ وإن قل، وبإحياء سنة الاعتكاف ولو بمعناه التربوي في لزوم الطاعة، وبصدقةٍ خفية، وبإصلاح قلبٍ أو ردّ مظلمة، وبكثرة الدعاء؛ فقد كان صلى الله عليه وسلم يكثر أن يقول في رمضان: «اللهم إنك عفو تحب العفو فاعفُ عني».
فرب ركعة في جوف الليل تغيّر مسار حياة، ورب دمعة في ساعة صدق تمحو أثر أعوام.
«والثلث كثير» تذكير بقيمة ما مضى، لكنه في الوقت نفسه دعوة عملية إلى اغتنام ما بقي.
فالخسارة ليست في نقص البداية، بل في الاستسلام للفتور، والربح كل الربح أن تتحول بقية رمضان إلى نقطة تحولٍ في القلب والسلوك، وأن يخرج العبد منه وقد غُفرت ذنوبه، وقويت صلته بربه، واستقامت جوارحه على الطاعة.
اللهم اجعل ما بقي من رمضان خيرًا مما مضى، واجعل ختامه لنا ختام قبول ورحمة وعتق من النار، فإن الثلث كثير، وما بقي فيه خيرٌ أعظم لمن صدق وعزم.