عايض بن خالد المطيري
في المجتمعات الإنسانية، تُشبه علاقة الفرد بأمه أسمى صور الوفاء والارتباط، إذ يظل الحليب الذي رضعه والدفء الذي احتضنه دينًا لا يسقط مهما طال العمر. وإذا غابت الأم، كان للمرضعة حق الأمومة بالرضاعة، تُكرّم ويُحفظ لها الفضل. فالأصل أن البرّ قيمة أخلاقية لا يفرّق فيها بين من أنجبتك ومن أرضعتك، فكلاهما أم تستحق الشكر.
هذا المعنى الأخلاقي العميق يمكن إسقاطه على واقعنا المعاصر. فالمملكة العربية السعودية لم تكن يومًا وطنًا لأبنائها من المواطنين فحسب، بل امتدت أمومتها لتشمل ملايين الوافدين الذين وجدوا فيها مأمنًا ورزقًا، فأكلوا من خيراتها، وشربوا من مواردها، وربّوا أبناءهم تحت ظلها. لقد منحتهم حضنًا واسعًا لا يضيق، وعدلًا لا يميز بين ابن من رحمها وآخر من رضاعتها.
لكن السؤال المشروع هنا هل يقابل الجميع هذا الوفاء بالبرّ ذاته؟
الحقائق الرقمية تكشف الصورة بوضوح. ففي عام 2025، شكّل المقيمون في السعودية قرابة نصف المجتمع السعودي، وأسهموا بفاعلية في الاقتصاد الوطني. ومع ذلك، بلغت تحويلاتهم للخارج في شهر مايو الماضي وحده نحو 15.2 مليار ريال. لا خلاف على حق العامل في إعالة أهله وأسرته، فهذا أمر مشروع، غير أن التساؤل يظل مطروحًا أين موقع الوفاء والولاء للوطن الذي احتضنهم ويسّر لهم سبل العيش والرزق؟
المؤلم أن البعض يتعامل مع السعودية باعتبارها محطة مؤقتة أو “محطة وقود” لا أكثر، ينهل من خيرها ثم يغادر دون كلمة شكر، كما يفعل الابن العاق الذي يأكل من طبق أمه ثم يرميه أرضًا. ومثل هذا السلوك لا يعد تقصيرًا فحسب، بل ضرب من العقوق والجحود يجرح جوهر الأمومة ومعناها الأسمى.
إن البرّ الحقيقي بهذا الوطن لا يتوقف عند حدود العمل والرزق، بل يمتد إلى صون سمعته والدفاع عنه في وجه كل من يتجنى عليه، وحفظ أمنه كما نحفظ أهلنا، والاعتراف بفضله كما نعترف بفضل أمهاتنا. فمن عاش في حضن السعودية أو تربى في ظلالها، فإن المروءة والواجب الإنساني يفرضان عليه أن يذكر محاسنها ويشكر أهلها، لا أن يطعن في صدرها بعد أن اشتد عوده في ظلها.
السعودية هي الأم التي تحتضن أبناءها من المواطنين و»أبناءها من الرضاعة» معًا، بذات الكرم والعدل، وبذات الحضن الدافئ الذي لا يضيق بأحد. غير أن العيب ليس في وفائها الذي لا يتبدل، بل فيمن يختبره يومًا بعد آخر دون أن يسأل نفسه هل كان ابنًا بارًا أم جاحدًا؟ برّ السعودية هو فرض عين على كل من عاش في كنفها. ومن لم يعرف قيمة أمه في حياتها، فسوف يكتشف بعد فوات الأوان أنه لن يجد حضنًا يشبهها، ولا صدرًا أوسع من صدرها.
رسالة للجميع.. السعودية لا تنتظر الشكر من أحد، لكنها لا تنسى الجحود.