صبحي شبانة
في ظل الحرب الدامية والمتصاعدة بين إيران من جهة، وإسرائيل بدعم مباشر من الولايات المتحدة الأمريكية من جهة أخرى، لم يعد الصمت خيارًا، ولم تعد الدبلوماسية التقليدية وحدها قادرة على احتواء خطرٍ إقليمي يتعاظم يومًا بعد يوم. فهذه الحرب لا تمثل صراعًا ثنائيًا معزولًا، بل تعبّر عن مناخ عدواني شامل يهدد أمن المنطقة برمتها، وعلى رأسها أمن دول الخليج العربي. ومن هنا، يبرز الدور الحاسم الذي يجب أن تضطلع به المملكة العربية السعودية بوصفها صمّام أمان الإقليم، وقوة سيادية لا تقبل المساومة على أمنها أو أمن جيرانها.
لقد أثبت كلٌّ من النظامين الإيراني والإسرائيلي، عبر عقود، أنهما لا ينظران إلى الاستقرار الإقليمي بوصفه مصلحة مشتركة، بل يعتبرانه عائقًا أمام مشاريعهما التوسعية. فإيران توظف الفوضى لتكريس نفوذها عبر الحروب بالوكالة والتهديد المباشر، فيما تمارس إسرائيل سياسة التصعيد الدائم، معتمدة على القوة العسكرية والدعم الغربي، غير آبهة بتداعيات أفعالها على أمن المنطقة. وفي الحالتين، يدفع الشرق الأوسط، ودول الخليج تحديدًا، ثمن مغامرات لا تخدم إلا أجندات ضيقة.
إيران، التي تتستر خلف شعارات المقاومة ونصرة الشعوب، لا تتردد في استخدام الصراعات كأدوات ابتزاز سياسي، وتهديد الملاحة الدولية، وتعريض إمدادات الطاقة العالمية للخطر. أما إسرائيل، فتمضي في إشعال الحروب وفرض وقائع عسكرية جديدة، ضاربة عرض الحائط بالقانون الدولي، ومُسهِمة بشكل مباشر في توسيع رقعة الصراع ورفع منسوب التوتر الإقليمي. وفي المحصلة، فإن الطرفين يشتركان في نتيجة واحدة: زعزعة الاستقرار وتهديد أمن الخليج.إن هذا العدوان المزدوج لا يمكن التعامل معه بلغة المجاملات أو البيانات الرمادية. وقد تبنت المملكة العربية السعودية موقفًا صريحًا وحازمًا، ووجه ولي العهد الأمير محمد بن سلمان رسالة واضحة لا تحتمل التأويل: أمن الخليج خط أحمر، وأي محاولة من إيران أو إسرائيل لنقل صراعاتهما إلى هذه المنطقة ستُواجَه بحزم سياسي وأمني غير مسبوق. فالتجربة أثبتت أن القوى التي تعيش على منطق القوة لا تتراجع إلا عندما تُواجَه بردع واضح، يدرك صانع القرار فيها أن تكلفة التصعيد ستكون فادحة.
سياسيًا، تمتلك السعودية القدرة على قيادة موقف دولي متوازن يكشف حقيقة الدورين الإيراني والإسرائيلي بوصفهما مصدرين رئيسيين لعدم الاستقرار في الشرق الأوسط. لم يعد مقبولًا تصوير أحدهما كطرف دفاعي أو مُستفَز، بينما يمارسان سياسات عدوانية تدفع المنطقة نحو الانفجار. وتعمل الرياض على دفع المجتمع الدولي نحو مواقف أكثر صرامة، تُدين أي اعتداء أو تهديد لأمن الخليج، أيًّا كان مصدره، وتضع حدًا لازدواجية المعايير التي شجعت الطرفين على التمادي.
إقليميًا، تقع على عاتق المملكة مسؤولية توحيد الموقف الخليجي والعربي في مواجهة هذا الخطر المركّب. فالانقسامات هي البيئة المثالية التي تستغلها إيران وإسرائيل معًا لفرض أجنداتهما. إن المطلوب اليوم موقف جماعي يؤكد أن دول الخليج ليست ساحة لتصفية الحسابات، ولا ورقة ضغط في صراعات الآخرين، وأن أي مساس بأمنها سيقابل برد جماعي واضح وحازم.
اقتصاديًا، تملك السعودية ورقة ضغط لا يمكن تجاهلها. فأمن الطاقة العالمي مرتبط مباشرة باستقرار الخليج، وأي تهديد لهذا الاستقرار سواء أتى من إيران أو نتيجة سياسات إسرائيل التصعيدية يجب أن يُقدَّم للعالم بوصفه تهديدًا مباشرًا للاقتصاد الدولي، لا مجرد أزمة إقليمية عابرة. وتستخدم الرياض ثقلها في أسواق الطاقة والمنظمات الاقتصادية لتأكيد أن حماية الخليج مسؤولية دولية، لا عبئًا تتحمله دوله وحدها.
أما أخلاقيًا وإنسانيًا، فلا بد من فضح التناقض الصارخ في خطابي طهران وتل أبيب. فكلاهما يدّعي الدفاع عن الأمن، بينما يجر المنطقة إلى حروب مدمرة، ويعرّض المدنيين للخطر، ويستخدم القوة المفرطة لتحقيق أهداف سياسية. إن هذا الواقع يجب أن يُواجَه بكشف الحقائق، لا بالصمت أو التبرير.
ختامًا، فإن الدور السعودي يتسلح بالقيادة الحازمة ويدرك أن السلام الحقيقي لا يتحقق بمهادنة المعتدين، بل بردعهم. إن وقف هذه الحرب لن يكون ممكنًا ما لم يُوضَع حدٌّ واضح للسلوك العدواني، سواء صدر عن إيران أو إسرائيل. والمملكة العربية السعودية، بما تمتلكه من ثقل سياسي، ونفوذ دولي، وحكمة استراتيجية، قادرة على أن تقود هذا المسار، وأن تقول بوضوح: أمن الخليج غير قابل للمساومة، ولا إيران ولا إسرائيل تملكان حق العبث باستقراره.